*هَلْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ فِي طَلاقِ أُمِّ زَرْعٍ*

عِنْدَمَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ، نَسْمَعُ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الزَّوْجَةِ الأُولَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ أَفْسَدَتْ عَلَى الأُولَى حَيَاتَهَا، أَوْ أَنَّهَا خَرَّبَتْ بَيْتَ الأُولَى، بَلْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ (لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَرِّبَ بَيْتَ الأُولَى) دَارِجَةً عَلَى لِسَانِ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَقَدَّمُ لِلزَّوَاجِ مِنْهُنَّ رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ.

فَمَا مَدَى صِحَّةِ هَذِهِ العِبَارَةِ؟
أَوَّلًا: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ سَبَبًا لِخَرَابِ البُيُوتِ، وَلَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ.
فَتَشْرِيعُ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ، وَأَيُّ اعْتِرَاضٍ أَوْ طَعْنٍ عَلَى مَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ، وَطَعْنٌ فِي شَرْعِهِ المَبْنِيِّ عَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
ثَانِيًا: اشْتَرَطَ اللَّهُ العَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَإِضَافَةُ أَيِّ شَرْطٍ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ اتِّهَامٌ لِشَرْعِ اللَّهِ بِالنَّقْصِ، وَهَذَا طَعْنٌ صَرِيحٌ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَفِي حُكْمِهِ.
ثَالِثًا: التَّطْبِيقُ الخَاطِئُ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ لِمَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ، وَإِخْلَالُهُمْ بِالعَدْلِ، لَا يُجِيزُ لَنَا الطَّعْنَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، فَتَقْصِيرُ الرِّجَالِ فِي العَدْلِ مِثْلُ تَقْصِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي الِالْتِزَامِ بِشَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمُورٍ أُخْرَى.
فَزَوَاجُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ فِي فَسَادِ بَيْتِهِ إِذَا فَسَدَ.
فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي فَسَادِ البُيُوتِ فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟ وَمَنِ المُتَسَبِّبُ فِي ذَلِكَ، أَهُوَ الرَّجُلُ أَمِ المَرْأَةُ؟
وَمَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِقِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ؟
لَعَلَّنَا نُجِيبُ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ مِنْ خِلَالِ التَّأَمُّلِ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا أَبُو زَرْعٍ.

أَوَّلًا: كَيْفَ عَلِمَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ وَشَكْلِ نُهُودِ المَرْأَةِ؟:
وَصَفَتْ أُمُّ زَرْعٍ شَكْلَ نُهُودِ المَرْأَةِ وَشَبَّهَتْهُمَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، وَجَزْمًا لَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ مُتَعَرِّيَةً حَتَّى يَرَى أَبُو زَرْعٍ ذَلِكَ مِنْهَا.
فَكَيْفَ عَرَفَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ صَدْرِهَا؟
لَابُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ لِبَاسًا يُفَصِّلُ جَسَدَهَا، وَإِلَّا لَمَا عُرِفَ حَجْمُ نُهُودِهَا.
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ الإِسْلَامُ عَلَى المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ جَسَدِ المَرْأَةِ يفْتِنُ الرَّجُلَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ المُفَصِّلِ لِلْجَسَدِ، وَالَّتِي مِنْهَا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ ‌كَاسِيَاتٌ ‌عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (رواه مسلم)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَمَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ بِالِاسْمِ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ إِذْ لَا تَسْتُرُهُنَّ تِلْكَ الثِّيَابُ)). (الاستذكار 8/ 307)
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَثْبَتَ لَهُنَّ الكِسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ العَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 8/ 2491)
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يُرِيدُ كَاسِيَةً بِالثِّيَابِ الوَاصِفَةِ لِأَجْسَامِهِنَّ لِغَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ)). (شرح صحيح البخاري 3/ 116)
فَالمَلَابِسُ الَّتِي تَصِفُ جِسْمَ المَرْأَةِ وَمَفَاتِنَهَا تُخْرِجُهَا كَأَنَّهَا عَارِيَةٌ، فَيَعْلَمُ الرَّجُلُ كُلَّ تَفَاصِيلِ جَسَدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا.

Comments

Be the first to add a comment