كن جميلا ترى الوجود جميلا
هَلْ تَصدُقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
قَدْ تَكُونُ إِجَابَةُ هٰذَا السُّؤَالِ صَادِمَةً لِلرِّجَالِ، وَلٰكِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ النِّسَاءِ عُمُومًا، وَإِنْ أَخْفَيْنَهَا عَنِ الرِّجَالِ!
فَمِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ إِخْفَاءُ بَعْضِ صِفَاتِهَا عَنِ الرَّجُلِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ هٰذِهِ الصِّفَةُ فِطْرِيَّةً فِيهَا.
وَتَأَمَّلْ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَمَا قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَتْ لَهُ - وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ -: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: ((بَلْ أَنْتِ، فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ، نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ)). (رواه مسلم)
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَقَوْلُ عَائِشَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: “فَضَحْتِ النِّسَاءَ” أَيْ كَشَفْتِ مِنْ أَسْرَارِهِنَّ، وَمَا يَكْتُمْنَ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى الرِّجَالِ، وَرُؤْيَةِ الِاحْتِلَامِ)). (إكمال المعلم بفوائد مسلم 2/ 147)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذٰلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ)). (فتح الباري 1/ 389)
فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ كَرِهَتْ أَنْ يَعْرِفَ الرِّجَالُ أَنَّ المَرْأَةَ تَشْتَهِي الرَّجُلَ، وَأَنَّهُ يَقَعُ مِنْهَا مَا يَقَعُ لِلرَّجُلِ فِي النَّوْمِ؛ لِأَنَّ هٰذَا مِمَّا تَسْتَحِي مِنْهُ المَرْأَةُ عَادَةً.
وَلِذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُطَالِبَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالتَّصْرِيحِ فِي رَغْبَتِهَا فِيهِ، كَمَا يُصَرِّحُ هُوَ فِي رَغْبَتِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هٰذَا الطَّلَبَ مُخَالِفٌ لِفِطْرَةِ المَرْأَةِ وَحَيَائِهَا، وَيَكْفِيهَا التَّلْمِيحُ وَالإِغْرَاءُ، وَسُرْعَةُ الِاسْتِجَابَةِ لِزَوْجِهَا.
وَالسُّؤَالُ مَرَّةً ثَانِيَةً: هَلْ تُصَدِّقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
وَقَبْلَ الإِجَابَةِ عَنْ هٰذَا السُّؤَالِ، نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ فِي نَظَرَتِهَا لِزَوْجِهَا.
قَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((المَرْأَةُ شَدِيدَةُ الإِعْجَابِ بِبُطُولَةِ الرَّجُلِ، لِقُصُورِ قُدْرَتِهَا عَمَّا يَسْتَطِيعُهُ الرِّجَالُ، وَلِأَنَّهَا تَرَى فِي بُطُولَةِ الزَّوْجِ وَالقَرَابَةِ مَا يُطْمَئِنُ بَالَهَا مِنْ شَرِّ العُدَاةِ وَالغَارَاتِ)). (جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور 4/1731)
هٰذَا مَا تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي زَوْجِهَا قَدِيمًا، فَهَلْ طَرَأَ عَلَى هٰذِهِ الطَّبِيعَةِ أَيُّ تَغْيِيرٍ عَبْرَ الزَّمَنِ؟
نَعَمْ، تَغَيَّرَتْ هٰذِهِ الفِطْرَةُ عِنْدَ بَعْضِ النِّسَاءِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ ثَقَافَةِ المُجْتَمَعِ، وَثَقَافَةِ المَرْأَةِ، وَتَغَيُّرِ نَظَرَتِهَا لِلرَّجُلِ، أَيًّا كَانَ هٰذَا الرَّجُلُ؛ أَبًا، أَوْ أَخًا، أَوْ زَوْجًا، أَوْ وَلِيًّا.
فَمَا يُغْرَسُ فِي المَرْأَةِ اليَوْمَ مِنْ أَفْكَارٍ، مِثْلَ: أَنَّهَا لابُدَّ أَنْ تَسْتَقِلَّ مَادِّيًّا عَنِ الرَّجُلِ، وَأَنْ تَعْمَلَ فِي أَيِّ وَظِيفَةٍ لِتَحْصِيلِ المَالِ.
وَأَنَّ مَفْهُومَ الحُرِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَرْفُضَ تَحَكُّمَ الرَّجُلِ عَلَيْهَا بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشْكَالِ! وَأَنَّ لَهَا الحُرِّيَّةَ الكَامِلَةَ فِي كُلِّ تَصَرُّفَاتِهَا مِنْ غَيْرِ الرُّجُوعِ إِلَى الرَّجُلِ!
وَأَنَّهَا لابُدَّ أَنْ تَتَمَرَّدَ عَلَى وِلَايَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُصْبِحَ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا!
هٰذَا كُلُّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَفْكَارِ الَّتِي تُنْشَرُ بَيْنَ النِّسَاءِ، أَدَّى إِلَى تَغَيُّرِ نَظْرَةِ المَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ.
فَيَا تُرَى بَعْدَ هٰذِهِ الثَّقَافَةِ، مَا الَّذِي تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي الرَّجُلِ؟! وَبِمَ سَتَفْخَرُ بِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ؟!
لَقَدْ وَلَّدَتْ لَنَا ثَقَافَةُ الإِنْتَرْنِتِ وَوَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ نَمَطًا جَدِيدًا تُحِبُّهُ المَرْأَةُ فِي الزَّوْجِ، وَهُوَ نَمَطُ الشُّهْرَةِ، وَالمَشَاهِيرُ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ فِي هٰذِهِ الوَسَائِلِ بِصُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ تُخَالِفُ الحَقِيقَةَ وَالوَاقِعَ، وَتُلَبِّسُ عَلَى النِّسَاءِ. فَإِذَا تَزَوَّجَتِ المَرْأَةُ مِنْ مِثْلِ هٰؤُلَاءِ المَشَاهِيرِ اكْتَشَفَتِ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ!
وَهُنَا سَيَأْتِي السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى:
هَلْ تَصْدُقُ المَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَوْجِهَا؟
Comments
Be the first to add a comment