قال الله تبارك وتعالى معجزا فطاحل اللسان العربي المعاصرين للنبي، صلى الله عليه وسلم؛ ومعهم شهداؤهم؛ ومن جاء بعدهم هم من أهل اللغة والتفنن في البيان؛ هم أقل منهم بمراحل من أن ينادوا للتحدي ((وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ))؛ فجعل الله سبحانه بلاغة القرآن واعجازه وكمال لغته دليلا على صحة دين الإسلام؛ وقوله سبحانه ((وَلَنْ تَفْعَلُوا))؛ هو تعجيز لهم على التأبيد. بل ولقد اشتد عسر الامتحان لما تحدى الله جل وعز الإنس والجان؛ مجتمعين متعاونين أبتعين؛ أن يأتوا بكلام مثله مثل القرآن العظيم ((قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا))، إلى ما هنالك من النصوص التي قررت هذه الحقيقة المطلقة؛ التي لا تتغير مهما تغير الزمن وتقدمت العلوم؛ فإن القرآن العظيم معجزة خالدة؛ والمعجزة لا تقاس بمقاييس البشر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " المعجزة: أمرٌ خارقٌ للعادة، يُجْريه اللهُ تعالى على أيدي الأنبياء والمرسلين؛ تأييدًا لهم، وتحديًا لأقوامهم."5 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ومعجزه القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه."6 قال العلامة السعدي رحمه الله: "وكيف يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفد المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله. فكما أنه ليس أحد من المخلوقين مماثلاً لله في أوصافه فكلامه من أوصافه، التي لا يماثله فيها أحد، فليس كمثله شيء، في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله تبارك وتعالى. فتبًا لمن اشتبه عليه كلام الخالق بكلام المخلوق، وزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم افتراه على الله واختلقه من نفسه."7 ومن أقبح الاشتباهات؛ ولا ريب؛ أن يعمد الدارسون إلى تحليل كلام الله باستعمال وسيلة تحليل كلام البشر؛ وعند التأمل والنظر يعي الواحد منا أن دي سوسير كان أعقل وأعلم من أن يدعي أن العلم الذي وضعه يصلح لدراسة كلام الخالق... فما دهى أولئك الباحثين العرب أن اتخذوا علما وضعيا أرضيا ماديا أداة لتفسير كلام الله العلي القدير؛ فخاضوا فيه بمفاهيم وأبعاد ومصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان؛ لم يعلمها لا سلف ولا خلف؛ ممن يعلم بأن لكتاب الله سبحانه حرمة في القلوب، ورهبة في النفوس، وحلاوة في اللسان؛ فهو النور الذي يبدد ظلمات الجهل، واليقين الذي يزيل الشك؛ فكيف للنور أن يدرس بقانون؛ واضعُه ومن بعده وارثوه؛ لا يؤمنون بالكتاب أصلا؟ فالآيات السالفة حجة دامغة على أن لغة القرآن ليست نظاما لغويا وخطابيا على المعنى الموروث عن اللسانيات العصرية؛ وإنما هو كلام إلهي خارج عن التصنيف اللغوي المعتاد؛ الذي تحلل به اللغات العالمية؛ وهنا يكمن سر الاعجاز؛ لاستحالة المقارنة والقياس. ومن ادعى أنه لا يسوي بين لغة القرآن وباقي اللغات؛ رد عليه بأن عدم التسوية يقتضي عدم استعمال الأدوات نفسها في الدراسية والتحليل؛ والعاقل لا يجمع بين المتفرقات، ولا يفرق بين المتشابهات. فكيف يصح في الأذهان أن تكون اللغات عاجزة عن المسايرة والمساواة والمضاهاة؛ ثم يكون علم اللغات (والذي لم يكتمل بعد ولو ادعى من ادعى أنه اكتمل وانتهى...)؛ الناشئ عن اللغات العاجزة قادرا على دراسة لغة القرآن المعجزة؟! وما دامت المساواة منتفية؛ فهل يصح أن تكون أدوات الدرس اللساني هي هي؟ وبما أن الأدوات غير مواتية والبدايات غير صحيحة؛ فلا تسأل عن النتائج والنهايات؛ فالجواب معلوم مسبقا. وهذا خطأ في منهجية البحث والتعليل؛ ترفضه العلوم كلها. ف((مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ)). واعلم أن غواية لُغَوِيِّي عصرنا؛ أقصد المجترئين على كتاب الله العظيم؛ إنما تمت بعد "الولادة غير الطبيعية لكتاب دي سوسير"؛ ثم تلاطمت أمواجها وحَلِكت ظلماتها بعد تتابع نشر كتب وأبحاث غربية وشرقية أخرى واختراع آليات ومناهج علمية لتشريح كلام البشر؛ فاتخذها كل لغوي غوي متجاسر على كتاب الله؛ لا يرعاه قدره؛ ذريعة لتحليل كلام الله جل وعلا؛ رب البشر.