وعلى الرغم من تلك الحفاوة بالحياء الفطري والثناء عليه وصيانته، والمشابهة بينه وبين الحياء الإيماني الذي ورد في الشرع وطولب به المؤمنون، كما في الحديث أنه – صلى الله عليه وسلم – أوصى صحابياً بأن يستحيي من الله كما يستحيي من الرجل الصالح من قومه، إلا أنه – عليه الصلاة والسلام – لم يجعله مُحدِدًا للحياء الإيماني الذي وصفه بأنه (حق الحياء) وعرّفه لأصحابه رضوان الله عليهم بقوله: ” أن (تحفظ) الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، و(تذكر) الموت والبِلى… “.
فأضفى بتحديده هذا على الحياء طابعًا إجرائيا خرج به عن كونه حاجزا نفسيا لا إراديا، أو دفقة دمٍ تصبغ الوجنتين، أو ارتعاش كفّين، أو تردد وانقباض وممانعة، أو غيرها من تجليات الحياء الفطري التي لا طاقة للإنسان بدفعها، ولا اختيار له في انبعاثها في نفسه وطفرتها على محياه ابتداء.
فالحياء الإيماني اكتسابيٌ من جهة، مرتبطٌ بالوعي والإرادة من جهة أخرى، ففطرية الحياء تجعله عرضة للتأثر بالتنشئة الاجتماعية التي قد تعمقه وترسخه، أو تسلخه وتهدره، إلى جانب مؤثرات أخرى خارجة أحيانا على إرادة الإنسان كالمخالطة والخبرة والتجربة والتي تنتقل بصاحبها من حالٍ إلى حالٍ دونها في الحياء، انتقال المرأة بالزواج من البكارة إلى الثيوبة، والتي لا تخولنا القول – بالمثل- أن المرأة انتقلت معها من مستوى إلى مستوى آخر أدنى منه في الإيمان وإلا لكان للزواج تأثير سلبي على الفضيلة الإيمانية، وهذا تناقضٌ لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، بخلاف التحديد النبوي السابق الذي لا تؤثر فيه مثل هذه المؤثرات ويُبدي تآلفًا وانسجامًا بين فضائل الشرع ومسنوناته (حياءً، واستعفافا بالزواج)، كما يتمتع هذا التحديد بقابلية عالية للتفعيل في زمن تكاثرت فيه المؤثرات على سلامة الفطرة وغادرت فيه كثير ممن كان يضرب بهن المثل في شدة الحياء خدورهن، وتسللت إلى مخادع بعضهن صور شتى من الاختلاط والعلاقات المحرمة عبر وسائل التقنية المختلفة، مما يجعل الحديث عن استدعاء أو تحريك الحياء الفطري عند شريحة من الإناث فضلا عن الذكور ضرباً من التفكير في المفقود!
فوحده الحياء الإيماني يحتفظ بتأثيره العميق في الفِطر المتغيرة بسوء التنشئة، يُقوّم انحرافها ويحدو صاحبها ليُقدم بوعي، ويمتنع بوعي، ويظل قادرا على الاستمرار في الإقدام والإحجام في الخير والشر بحسب منسوب الإيمان في نفسه، مهما تغيرت الظروف ومهما كان ماضيه ملطخًا بالخطايا.
إنه باختصار: الحياء مع المقدرة / وعند المقدرة!
وإذا كان الحياء رأس الفضيلة فهو أكثر ما ينفي دعوى تجنيسها، وأجدر ما يمثل حقيقة مقررة مفادها أن الأصل هو تساوي الرجل والمرأة أمام أحكام الشريعة.
وهذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى تجاورها ولا تقل أهمية عنها، وهي أن التفريق بين الجنسين في (بعض) الأحكام واقعة ثابتة لا يدفعنا ضغط مفهوم المساواة في الأدبيات الغربية والفعل السياسي الأممي لإنكاره ولا التحيل عليه لإظهاره ببزتها، لكنه تفريقٌ بمقتضى الحكمة التي لا تتخلف أبدا عن قضاء الله وأمره، وكلما تكشفت هذه الحكمة كشفت عن أسباب موضوعية ملأت تجلياتها العلمية المعاصرة – في مختلف الجوانب البيولوجية، والسيكيولوجية، والفسيولوجية- أرفف المكتبات الغربية قبل الإسلامية، في حين تُفرق الثقافة الشعبية بين الرجل والمرأة بمقتضى التعالي المستند بالأساس لمنطق القوة، والذي إن صمد موضوعيا في ناحية، انهارت أركانه في نواحٍ أخرى..وشتان ما بين الأمرين!
✍🏻📖 t.me/bahethat1