كن جميلا ترى الوجود جميلا
*رُوَيْدَكَ يَا فلان لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ*
شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ المَرْأَةَ بِالقَارُورَةِ مِنَ الزُّجَاجِ، وَطَبِيعَةُ الزُّجَاجِ أَنَّهُ يَنْكَسِرُ سَرِيعًا، فَأَمَرَ الرِّجَالَ بِالمُرَاعَاةِ وَالرِّفْقِ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ)).
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((لِأَنَّهُنَّ عِنْدَ حَرَكَةِ الإِبِلِ بِالحِدَاءِ وَزِيَادَةِ مَشْيِهَا بِهِ يُخَافُ عَلَيْهِنَّ السُّقُوطُ، فَيَحْدُثُ لَهُنَّ مَا يَحْدُثُ بِالقَوَارِيرِ مِنَ التَّكَسُّرِ)). (شرح صحيح البخاري 9/ 357)
بَلْ مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الإِبِلِ السَّرِيعَةِ وَكَثْرَةِ الاِهْتِزَازِ وَهِيَ فَوْقَهَا يُتْعِبُهَا وَيُؤْذِي جَسَدَهَا حَتَّى مِنْ غَيْرِ سُقُوطٍ.
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((يَعْنِي بِهِ ضَعَفَةَ النِّسَاءِ، وَشَبَّهَهُنَّ بِالقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرِهِنَّ، وَلِعَدَمِ تَجَلُّدِهِنَّ، فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ سُقُوطَ بَعْضِهِنَّ، أَوْ تَأَلُّمَهُنَّ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وَالاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ عَنِ السُّرْعَةِ وَالاسْتِعْجَالِ)). (المفهم 6/ 114)
وَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ: ((شُبِّهْنَ بِهَا لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ، وَالقَوَارِيرُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا الكَسْرُ. وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِهِنَّ، وَيُنْشِدُ مِنَ القَرِيضِ وَالرَّجَزِ مَا فِيهِ شَبِيبٌ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَفْتِنَهُنَّ أَوْ يَقَعَ بِقُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ، فَأَمَرَهُ بِالكَفِّ عَنْ ذَلِكَ)). (إكمال المعلم 7/ 287)
فَالْمَرْأَةُ رَقِيقَةُ القَلْبِ مِثْلُ القَارُورَةِ، تَكْسِرُهَا الكَلِمَةُ المُرَّةُ.
فَإِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ لَا تَسْتَحْمِلُ الكَلِمَةَ المُؤْذِيَةَ لِرِقَّةِ قَلْبِهَا، فَكَيْفَ تَسْتَحْمِلُ مَنْ يَضْرِبُ جَسَدَهَا وَوَجْهَهَا، وَيَلْوِي ذِرَاعَهَا، وَكَأَنَّهُ فِي حَلَبَةِ مُصَارَعَةٍ؟!
وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مُعَامَلَتِهِ لِزَوْجَتِهِ، فَلْيَتَأَمَّلْ هَذَا الحَدِيثَ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (رواه مسلم)
تَأَمَّلْ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - مَا فِي هَذِهِ السِّيرَةِ مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ:
• لَمْ يَضْرِبْ بِيَدِهِ قَطُّ.
• لَمْ يَنْتَقِمْ لِنَفْسِهِ.
فَهَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ.
إِنَّ اسْتِعْجَالَ الرَّجُلِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ بِالضَّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى نَقْصِ الحِكْمَةِ وَالتَّعَقُّلِ؛ وَلَوْ تَأَمَّلَ قَلِيلًا لَوَجَدَ أَنَّ هُنَاكَ حُلُولًا قَبْلَ الضَّرْبِ قَدْ تُعَالِجُ الأَمْرَ بِطَرِيقَةٍ أَفْضَلَ وَأَبْقَى أَثَرًا، وَلَكِنَّهُ الاسْتِعْجَالُ المَقْرُونُ بِالغَضَبِ وَالانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي نُصْحِهِ لأَصْحَابِهِ فِي طَرِيقَةِ التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَاتِهِمْ، نَجِدُ أَنَّهُ يُرْشِدُهُمْ إِلَى الرِّفْقِ وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الضَّرْبَ - وَإِنْ أُذِنَ فِيهِ فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ بِضَوَابِطِهِ - لَيْسَ هُوَ الحَلَّ الأَوَّلَ وَلَا الأَمْثَلَ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ الرَّجُلُ العَاقِلُ.
وَإِلَيْكَ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - بَعْضَ الأَحَادِيثِ:
عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاؤُنَا مَا نَأْتِي مِنْهُنَّ وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: ((ائْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، وَأَطْعِمْهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تُقَبِّحْ الْوَجْهَ وَلا تَضْرِبْ)).
(رواه أبو داود)
فَنَهَاهُ عَنِ الضَّرْبِ، وَعَنْ قَوْلِ: «قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكِ».
وَمِنَ التَّأَمُّلِ فِي هَذَا النَّهْيِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا أَقْبَلَ عَلَى المَرْأَةِ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَالإِعْجَابِ بِهِ، فَكَيْفَ يُقْبِّحُ وَجْهًا اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَغِبَ فِيهِ، وَبَذَلَ فِي سَبِيلِ الِاقْتِرَانِ بِهِ المَالَ؟!
Comments
Be the first to add a comment