بسم الله والحمد لله، وبعد: ففي خضم هذه الأزمان المتقلبة وما تلده من الفتن المتلاطمة؛ يرى المؤمن أن الحل والعلاج يكمن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ...}، مع علمه أن هذا لا يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم:"بلغوا عني ولو آية."
ومع الأسف الشديد؛ فإن كثيرا ممن يدعي السلفية تركوا علم السلف والعمل به والدعوة إليه؛ فسقطوا في الفتن وأضرموا نار المحن؛ وهذا مما يسخط الله سبحانه وتعالى، نسأل الله السلامة والعافية.
فتجد من أولئك أصنافا شتى؛ فمن هائم على وجهه في مسارب الخوارج والتكفير؛ فيسقط الأحكام الجزافية على الأعيان، ومن بائع لتدينه واستقامته في سوق النخاسة؛ فغدا مولعا بالدينار والدرهم لاهثا على حطام الدنيا، ومن متقحم لأبواب الحدادية؛ بعد أن قسى قلبه وغلظ كبده بما كسبت يداه؛ فأصبح معولا يهدم جدار أهل السنة؛ الذين هم دعاتها وطلابها؛ فينقض غزلا لم يسهم في نسجه؛ بل يتصرف إذعانا في الطاعة العمياء لمن يحركه بوسيلة أو بأخرى؛ فأصبح شرا من التي ((نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا))، ومن راكض وراء ركائب أهل البدع والأهواء؛ فغرق في لجة التمييع وهي ضحلى! وكأنه لم تطرق عيناه يوما صفحات كتب العقيدة السلفية!
ولكن رغم ذلك؛ فإن رحمة الله واسعة وفضله عظيم؛ فإنك تلمح في أثناء تلك الكروب وفي خلال تلك الخطوب من لا يزال يتعلم ويعمل بما يستطيع ويتبع منهج السلف، ويدعو الله أن يجعله غرسا لهذا الدين وذخرا لهذه الأمة الجريحة؛ فتجده لا يجفو ولا يغلو، فهؤلاء هم خيرة السلفيين، وعليهم تعقد الآمال وبأمثالهم تستنار الدروب وتجف الأوحال؛ نسأل الله سبحانه أن يكثر من أمثالهم.
ولقد جاءت في وصية علي رضي الله عنه لكميل بن زياد رحمه الله نصائح عظيمة؛ ذات الفوائد العميمة؛ تبين تلك المسالك المشؤومة فيتوقاها متقي الشر، وتعطي العلاج النافع فيأخذ به متحري الخير؛ فقال له رضي الله عنه:
"يا كُمَيْلُ بنَ زيادٍ، إن هذه القلوبَ أَوْعيةٌ، فخيرُها أوعاها، فاحفَظْ عني ما أقولُ لك: الناس ثلاثةٌ: فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، مع كلِّ ريحٍ يميلون، لم يَسْتَضيئوا بنور العلم، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ.
يا كُمَيْلُ، العلمُ خيرٌ من المالِ؛ العلمُ يَحرسُك وأنت تَحرُسُ المالَ، والعِلمُ يزكو على الإنفاقِ، والمالُ تَنقُصُه النفقةُ، ومَنفعَةُ المالِ تزولُ بزوالِه.
يا كُمَيْلُ، محبةُ العالمِ دينٌ يُدانُ بها، العلم يُكسِبُ العالمَ الطاعةَ لربِّه في حياتِه، وجميلَ الأُحدوثةِ بعدَ وفاتِه، وصَنيعةُ المالِ تزولُ بزوالِه، والعلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه.
يا كُمَيْلُ، ماتَ خزَّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بَقِيَ الدَّهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ؛ هَا إنَّ ها هُنَا - وأشار بيدِه إلى صدرِه - لعلمًا جمًّا لو أَصَبْتُ له حَمَلَة، ثم قال: بلى أصبْتُه لَقِنًا غيرَ مأمونٍ عليه، يستعملُ آلة الدينِ للدنيا، ويَستظهِرُ بحججِ اللهِ على أوليائِه، وبنعمِه على عبادِه، أو منقادًا لأهلِ الحقِّ لا بصيرةَ له في أحنائه، يَنْقدِحُ الشكُّ في قلبِه بأولِ عارضٍ من شبهةٍ، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، أو منهومًا باللذَّات، سلسَ القياد للشهواتِ، أو مغرمًا بجمعِ الأموال والادِّخار، ليسَا من دعاة الدينِ في شيءٍ، أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السائمةُ، كذلك يموتُ العلم بموتِ حامليه؛ ثم قال: اللهم بلَى، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجةٍ إما ظاهرًا مشهورًا، وإما خائفًا مغمورًا؛ لئلا تبطُلَ حججُ اللهِ وبيّناتُه، وكم وأين أولئك؟! أولئك واللهِ هم الأقلُّون عددًا، والأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفع اللهُ عن حججِه؛ حتى يؤدوها إلى نظرائِهم؛ ويزرعوها في قلوب أشباهِهم، هجَم بهم العلمُ على حقيقةِ الأمرِ؛ فباشروا روحَ اليقين، فاستسهلوا ما استَوْعَرَ منه المُتْرفُون، وأَنِسُوا بما استَوْحَشَ منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلَّقة بالمنظرِ الأعلى.
يا كميلُ، أولئك خلفاءُ اللهِ في أرضِه، ودعاتُه إلى دينِه، هَاهْ، هَاهْ شوقًا إلى رؤيتِهم، وأستغفِرُ اللهَ لي ولك، إذا شئت فقُمْ."
هذا الأثر أخرجه غير واحد من أئمة الإسلام.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله في "الفقيه والمتفقه" (184/1): "هذا الحديث من أحسن الأحاديث معنى، وأشرفها لفظاً، وتقسيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الناس في أوله تقسيم في غاية الصحة، ونهاية السداد، لأن الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها مع كمال العقل، وإزاحة العلل، إما أن يكون عالماً، أو متعلِّماً، أو مُغفَّلاً للعلم وطلبه، ليس بعالم، ولا طالب له".
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد

Comments

Be the first to add a comment