في المرحلة الثانوية، منّ الله علينا بعالمٍ مربٍ فاضل، كان لكلماته أثر عظيم في نفوس طلابه.
قال لنا مرة موصياً: عليكم بالاستمرار في طلب العلم، من استمرّ ولو بالشيء القليل سيحصِّل،
ثم أردف متحسراً: لقد كان هنا أناس جلسوا عند أكابر العلماء مدة، لكنهم تركوا العلم وانشغلوا عنه، فعادوا كعوام الناس في العلم.
ولقد شهدتُ بنفسي في المرحلة الجامعية بعد ذلك ما هو أشد في أثر الانقطاع، إذ سمعتُ شيئاً مذهلاً عن البرنامج العلمي لأحد طلبة العلم آنذاك، ثم جلست بعد ذلك معه فكان أثر هذه القراءة ظاهراً جداً، فخرجت من مجلسه منبهراً من سعة الاطلاع، وتدفق المعلومة، وحسن الربط بين المعارف.
انقطعت العلاقة بعدها سنوات طويلة، ثم وجدت له قبل مدةٍ تعليقات في موضوعات شرعية، فعجبت مما فيها من ضحالة وشتات!
ليس لها تفسير عندي إلا أن صاحبنا قد أغلق الكتاب من سنوات طويلة، وانشغل بأشياء بعيدة عن العلم، فلم يبق له من العلم إلا بقية ذكريات.
العلم لا يعرف الانقطاع، من ترك العلم سيتركه، ومن توقف عن إروائه تلاشى عنه، وهو معنى قد نبه له علماء الإسلام قديماً، وشبه أحد أئمة الحديث الاستمرار في طلب العلم بتشبيهٍ لطيف جداً.
عن يحيى بن معين، قال لي عبدالرحمن بن مهدي: إنما مثَلُ صاحب الحديث بمنزلة السمسار، إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغيّر بصرُه. [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (ص467)].
فأهم ما ينبغي أن يعتني به المتعلم هو "الاستمرار"، بغض النظر عن البرامج والمنهجيات التي يسير عليها، الأهم أن يستمر في التعلم والبحث والقراءة والاستفادة.
لا بد أن يبقى العلم حياً في نفسه، والضامن لاستمرار هذه الحياة أن يحرص على إبقاء المحفزات، وإثارتها في نفسه،
وهذه المحفزات التي تحيي العلم في النفس، تتحقق في أشخاص أو مسائل:
-بأن يبقى قريباً من أصدقاء أو برامج أو بيئات علمية، لا تتوقف عن طلب العلم. -وأن يتفاعل مع مسائل وقضايا ونوازل تثير البحث، والنقاش، والاهتمام '.
فهذان المحفزان يحفظان العلم من عوائق الانقطاع والملل والفتور.