كلنا له ذكريات ومن السهل -بعدما تكبر- أن تعود لهذه الذكريات بزيارة الأماكن التي كنت تعيش فيها، منزل، غرف، جدران، ملعب، مدرسة، شارع، صديق، قريب، محل، مطعم، صيدلية، عيادة، … الخ
حينها تشعر بجزء من الحنين إذا لم تكن حياتك حينها على ما يرام، وتشعر بكل الحب والود والحنين إذا كنت طفلاً وشاباً تعيش حياة طبيعية.
لكن كيف تشعر عندما ترى كل ذلك مهدّماً على يد المعتدين؟
فلا ترى بيتاً ولا شارعاً ولا مَعْلماً يدل على هذا المكان سوى ركام في ركام؟
لقد تغيّرت هوية المكان وروحه؛ ما كان يومًا حيًّا صار مقبرةً صامتةً، لا تُنبئ إلا بذكريات الدم والانفجارات، وبحجارة تتفتت فوق الرؤوس ويتحوّل فيها الإنسان إلى اسمٍ في سجلّ الموت: «فلان مات»
هناك عبارات لا تستطيع مهما أوتيت من قوة أن تصف المأساة، فأماكن الصبا تحوّلت إلى مقابر!
والطفل الذي لم يصبح بعد صاحب ذكرى، قيل له: لن نسمح لك بالحياة، فأنت مستهدف إن عشت، ومستراح منه إن نلت إصابة، أو نزلت عليك قنبلة كبيرة تذهب بك إلى مكان لا تحتاج بعدها إلى دفن، ولا كفنٍ، ولا عزاء.
وها هي أمك تبكيك وتبكي أخاك وتبكي فتاتها الصغيرة، وتبكي العروسة، وتبكي أختها الكبيرة، حتى زوجها فلقد تحوّل إلى قطع صغيرة، ولم يعد في روحها ذرات دموع جديدة، فلقد سُحبت منها الحياة جزءً جزءً، حيث أصوات البكاء والتكبير والإعياء والنوم في العراء، والبحث عن لقمة بين الركام، أما الماء فشيء يحتاج إلى هرولة بين العيون التي لم تُصبها الصواريخ!
هناك حكايات لا تُكتب، ولا يمكن أن يعبر عنها قلم، ولكن تذكّروا أن الحياة بلا عز ولا كرامة ليس لها قيمة إلا للحيوان، لذا استعدوا لهذا اليوم الذي تُرد فيه الحقوق، ولن يكون ذلك إلا بقلب يحب الله، ومستعد للحياة في الدنيا بالإباء وفي الآخرة بالثبات.