بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سمرة بن جندب رضي الله عنه قبض من أهل الكتاب خمراً عن الجزية وباعها عليهم، فأنكر عليه عمر هذا الصنيع، وقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها.

وكان عمر يريد أن يتولى أهل الذمة بيع الخمر، ثم يقبضون الأثمان من الجزية ويسلمونها للمسلمين.

الشاهد ليس هنا.

وإنما في ملاحظة طريقة لطيفة يصنعها الإمام البخاري مع مثل هذه الروايات التي فيها تخطئة لصحابي، أو واقعة تمس مكانته وهو أنه يغفل ذكر اسمه، فقد روى هذا الحديث بلفظ (فلاناً) دون تسمية، بخلاف الإمام مسلم الذي صرح بذكر الاسم.

فأنت أمام مسلكين من مسالك أئمة الحديث لا تدري أيهما أجمل:

مسلك من يغفل ذكر بعض تفاصيل الرواية التي لا تؤثر في الحكم ولا تضر المعنى، تعظيماً لقدر الصحابة، وإجلالاً لمكانتهم، ولئلا يأتي ثقيل العقل أو رقيق الدين فيستطيل بها على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيترك من الرواية ما لا يؤثر على الواجب الشرعي في نقل العلم وبيانه.

ومسلك من ينقل هذه التفاصيل لما فيها من مزيد علمٍ وفائدة، وليس في وقوع الخطأ أو الاجتهاد من الصحابي ما ينقص من مكانته، خصوصاً أنه غير متعمدٍ لمخالفة الحكم الشرعي، وإنما فعله مجتهداً متأولاً، ولو تبين له الحكم لما خالفه.

مسلكان جميلان، يكمل أحدهما الآخر، فرحمة الله عليهم أجمعين.

ولأخينا الشيخ د. وليد الحمدان بحث لطيف في توضيح هذا المعنى، وتتبع الشواهد على هذه الطريقة في الصحيحين، لمن أحب الاطلاع:
http://saaid.net/book/22/16611.pdf


د. فهد العجلان حفظه الله

✨

Comments

Be the first to add a comment