فالمهمَّة فِي تتبُّع أثره شاقَّة وليست يسيرة، إنَّها ليست مجرد مسيرٍ مع نظرٍ للتابوت، وإنَّمَا هي خوفٌ وقلقٌ وحذرٌ شديدٌ من أيِّ تصرُّفٍ خاطئٍ قد يؤدي إلى قتل الطِّفل، وإيذاء أهله.
والأخت الأولى عادة ما تكون مثل الأُمِّ فِي رعاية مَن هم أصغر منها سنًّا، فقلبها مثل قلب الأُمِّ، فإذا كانت أُمُّ موسى قلقة، فهي كذلك مثلها.

ولبَّت أخت موسى نداء أُمِّها، ونفَّذت أمرها فسارت تتبع أثر أخيها موسى وتتسمَّع لأخباره من بعيد حتَّى لا يشعر بها أحد، ونجحت فِي هذه المهمَّة الأولى (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص: 11]
قال ابن جرير الطبري رَحِمَهُ الله: (يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَصَّتْ أُخْتُ مُوسَى أَثَرَهُ، (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ): يَقُولُ فَبَصُرَتْ بِمُوسَى عَنْ بُعْدٍ لَمْ تَدْنُ مِنْهُ وَلَمْ تَقْرَبْ، لِئَلَّا يُعْلَمَ إنَّها مِنْهُ بِسَبِيلٍ). (جامع البيان 18/ 174)
وقال الشنقيطي رحمه الله: (أَيْ رَأَتْهُ مِنْ بَعِيدٍ كَالْمُعْرِضَةِ عَنْهُ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَكَإنَّها لَا تُرِيدُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإنَّها أُخْتُهُ جَاءَتْ لِتَعْرِفَ خَبَرَهُ). (أضواء البيان 4/10)

وهذا دليلٌ على حرص أخت موسى وشدَّة حذرها، وعلى ذكائها فِي التَّعامل مع أكبر طاغوت وُجد على وجه الأرض وهو فرعون.
فإذا كان فرعون المدَّعي للربوبية، الطاغية، الذي وصفه الله بقوله: (إِنَّهُ طَغَى) [طه: 24] استطاعت فتاة أن تتعامل معه من غير أن يشعر بها وبمرادها، بل لم يعرف مَن هي، فكل طواغيت الأرض بعده يمكن لأهل الحقِّ أن ينشروا ما هم عليه من الحقِّ وينصروه من غير أن يشعر بهم هؤلاء الطواغيت، أو يكتشفوا أمرهم!
لأنَّ الله ينصر أهل الحقِّ فِي نصرتهم للحقِّ، ولا يوفق أهل الباطل فِي محاربتهم للحقِّ.

قال تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 264]،
وقال سبحانه: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258].
وقال عز وجل: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [المائدة: 108].
فالتَّوفيق مسحوب من الكافرين، والظالمين، والفاسقين.
فكوني مؤمنة بالله وتأسَّيْ بأخت موسى وأُمِّه، وانصري أهل الحقِّ، ودافعي عنهم، من غير أن يشعر بك أحد.

نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.

وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
9 رمضان 1446هـ

Comments

Be the first to add a comment