" لَا تيأس إن كانَ الشّيطانُ قد استزلّكَ ، فتعلّمت من ذنبكَ ، واستخدمتهُ في بناءِ صرحِ إيمانك ، فالإخفاق أساسُ النّجاح ، وربّما كانَ الذّنبُ سبباً في العودةِ إلى الله وتصحيحِ المسيرة.
مثلما حدث مع الكثيرين، ومنهم خامسُ الخلفاء عمرَ بن عبد العزيز الذي روى عنه ابنُ كثير أنّهُ : ضرب خبيبَ بن عبد الله بن الزُّبير خمسينَ سوطاً بأمر الوليدِ له، وصُبَّ فوقَ رأسه قربةً من ماءٍ باردٍ في يوم شتاءٍ بارد، وأقامهُ على باب المسجدِ يومها، فماتَ رحمهُ الله..
وكان عُمر بن عبد العزيز بعد موتِ خُبيب شديد الخوفِ لَا يأمنُ ، وكانَ إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرةِ يقولُ : كيف وخُبيب لي بالطّريق!! ثُمّ يصيحُ صياحَ المرأة الثّكلى، وكان إذا أُثني عليه يقول: خُبيب وماخُبيب إن نجوتُ منه فأنا بخير، وركبه ُالحزنَ والخوفَ من حينها،، وأخذَ في الاجتهاد في العبادةِ والبُكاء، وكانت تلك هفوةٌ منه وزلّةٌ ، ولكن حصلَ لهُ بسببها خيرٌ كثيرٌ من عبادةٍ وبُكاءٍ وحزنٍ وخوفٍ وإحسانٍ وعدلٍ وصدقةٍ وبرٍّ وعتقٍ وغيرَ ذلك (1).
فكانَ له من وراءِ هذا الذّنب الخير الوفير وكان بمثابةِ القشّة التي قصمَت ظهرَ الشّيطان والفتيل الذي أحرقَ كيدهُ حتّى صارَ خامسَ الخُلفاء الرّاشدين. ووعى عُمر الدّرس فكانَ إذا أرادَ أن يُعاقبَ رجلَاً حبسهُ ثلاثةَ أيّام، ثُمّ عاقبه كراهيةَ أن يُعجّل في أوّل غضبه. (2)
وهذا ما يجعلنا نُقسِّم الذنوب إلى قسمين: عائقةٌ وسائقةٌ.
فالذنوبُ العوائقُ : هي التي تُقعِد صاحبها عن السّير إلى الله بعد أن ألقتهُ في بئر اليأس وجلد الذّاتِ . أما الذنوبُ السّوائقُ : فهي التي تُضاعف سيرَ صاحبها إلى الله وتدفعهُ إلى استدراكِ الخطأ ومُحاولة التعويضِ كما حدث مع الرّاشدِ العُمريّ."