🔸في الأربعينيات من القرن الثالث الهجري القمري.. في خضمّ الصراعات والمنازلات الضروس التي لا تكاد تنتهي سلسلتها.. والتي تناوب عليها ملوك بعد ملوك، وقياصرة تلو قياصرة. وكعادة الجبابرة والسلاطين.. وبشكل لا أبالي، ورغم استمرار تلك المآسي فاجأ قيصر الروم مستشاريه في البلاط... فاجأهم بعزمه على اقامة مهرجان ضخم كثير البذخ واخذ يحدثهم بتفاصيل خطته...
🔹أريده أن يكون حديث أهل مملكتي ! ولذا سأدعو له في قصري ثلاثمئة رجل من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان.. وسبعمئة رجل من ذوي الأخطار وأربعة آلاف من أمراء الأجناد وقواد العسكر، ونقباء الجيوش، وملوك العشائر، لن اترك عظيماً من أهل سلطاني ومن بجواري إلا وسأدعوه...
🔸أراده القيصر أن يكون على ألسنة أهل مملكته، والممالك الأخرى.. وكأن الخطة قد رسمت منذ مدة في ذهن القيصر... يبدو أنها لم تكن خاطرة مرتجلة، فهو كان يعي ما يريد... فيه الظاهر أعلن أن ذلك لتحقيق أمنية كانت تراوده من زمن بعيد.. وهي مصاهرة نسله بنسل أخيه وتزويج حفيدته المدلّلة أقرب الأميرات إلى قلبه وأعزّهن عليه ليزوّجها من ابن عمها...
🔹ولكن ما وراء هذا فهو إنما أراد استثماراً سياسياً أبعد من الزواج.. وما المهرجان إلا غطاء لهدف حقيقي يسعى إليه ورسالة مزدوجة في اتجاهات عدة..
🔸كانت الأميرة غاية في الذكاء وطهارة القلب ونقاء السريرة.. ومضرب مثال في الخلق والجمال.. لم يشغلها كونها من الملوك أن تطلب معالي الأخلاق وتسمو نحو الكمال... كما لم يشغلها كونها صغيرة السن حيث كانت صغيرة لم تطرق بعد الرابعة عشرة من العمر.. لم يشغلها ذلك عن تعلم العلوم والسنة الشعوب ولغاتها..
🔹وكان لجدها القيصر المولع بالثقافات والعلوم، فضل كبير في تربيتها.. فقد رأى عليها علائم التميز والنبوغ منذ نعومتي أظافرها... ولذا اهتم بها اهتماماً خاصاً دون بقية ذريته... فكان ينتدب لها خيرة المعلمات والمربيات...
🔸كان لهذه العلاقة الحميمة دورها في مسايرة الجد.. فهي داخلها كانت كارهة لفكرة زواجها من ابن عمها، لكنها كانت تحب جدها وتقدره... فلم تشأ ان تكسر رغبته أو تخالف عليه، فتبدد فرحته... أو تقف امام تحقيق غايته، رغم أنه في مفصل حياتها الرئيس فكر كرجل دولة لا كجد لها، او كمربّ تهمه مصلحة ابنته..
🔹فجرت عليها السيرة كعادة كثير من بنات الأمراء والملوك اللواتي يكن ضحايا لمعادلات السياسة والملك.. فانساقت الى مراد الجد مرغمة لتحقيق أمنيته.. واستسلمت لقدرها وفوضت لله امرها..
الكاتب حسين المرهون