نواب إبليس على الأرض من أراد أن يعرف مدى وفاء إبليس اللعين بوعده في قسمه لله رب العالمين بإغواء بني آدم؛ فلينظر إلى الجموع الغفيرة الكثيرة والكثيرة جدا التي تنوب عنه، ولينظر إلى الآثار الوخيمة الهائلة؛ التي لا يأتي عليها الإحصاء؛ مما خلفه إبليس ونوابه وجنوده؛ نتيجة عصيان الرب ذي العزة والجلال؛ فمهما صرفت نظرك وألهيت فكرك عن إبصار مخلفات المخالفات تلو المخالفات لله رب العالمين؛ إلا وتهجم على بصرك وفكرك مخالفات أخرى تنهال على عينك وعقلك من كل حدب وصوب... حتى إنه ليبقى المؤمن وكأنه مذهول؛ في لحظة سهو وذهول؛ لعظم الهول مما أصبحت تقترفه أمم لا حصر لها من الولوغ في المعاصي والمحرمات والكبائر المهلكات، وكأنها هي الدين وكأنها هي الشرع... لشدة التزام أصحابها العمل بها بل والموت وهم يغشونها، نسأل الله سبحانه العفو والسلامة والعافية. نعم إنه دين إبليس وشرع إبليس المضاهي والموازي والمناهض لدين الله رب العالمين، دين الإسلام العظيم... وما أدراك ما دين الإسلام. فيبقى المؤمن الموحد متعجبا مستنكرا لما يرى من تلكم الخبائث التي اتجتاحت القلوب والأبدان قبل الأوطان والبلدان؛ فكأنما الناس فقدوا عقولهم وماهم بفاقديها؛ وإلا لرفع القلم عن الكتاب... ولكن المؤمن في زمن الغربة؛ وهذا زمن غربة شديدة حالك الظلمات؛ يبقى متمسكا تمسك المتشبث بقشة النجاة من الغرق في محيط هائج بالشهوات والشبهات، يتشبث بعهده الذي عهده لربه العظيم؛ بأن يعبده ويوحده إلى الرمق الأخير ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)). فإن المؤمن في زمن الغربة يبقى طريدا بعيدا... نعم يبقى بعيدا عن المعاصي التي تستوجب سخط الله عليه ويظل طريدا فريدا عن أبناء الدنيا ومرتكبي الموبقات والفواحش... وهؤلاء هم صرعى إبليس ونوابه؛ وكأن تلك الغربة حصانة من رب العباد يتحصن بها المؤمن لكي ينجو... رغم ما يجده من لأواء وحرقة واحتراق عباد زمن الغربة القابضين على الجمر الملتهب... فالمؤمن معه إيمانه وإخلاصه لله رب العالمين؛ يهديه الله بإيمانه ويزيده هدى؛ فيزجره إيمانه وصدقه وإخلاصه؛ كلما اعوج وزل، وكلما ابتعد؛ فيقرب ويرد؛ بشتى أنواع الرد والاجتباء التي خصها الله سبحانه لرد عباده المؤمنين... فالإيمان والإخلاص؛ ولو كان المؤمن أميا؛ هو قائد المؤمن الذي يخرجه من الظلمات إلى النور ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)) ؛ ((وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا)). فكم من صريع صرعه نواب إبليس، وكم من قتيل مات قلبه؛ وجسده حي؛ قتله جنود إبليس، والعياذ بالله. فالله الله من المعاصي يا عباد الله؛ والتقوى التقوى؛ والتوبة التوبة؛ والإخلاص والإخلاص؛ فما نجا ناج إلا بذلك، وذلك من يوم خلق الله الدنيا، ومن يوم أعلن إبليس الرجيم العداوة؛ بل الحرب؛ التي حمي وطيسها من ساعة خروجه عن طاعة الجبار العظيم في السجود لآدم الذي أكرمه الله؛ فكان آدم المكرم من ربه الرحمن غرض إبليس في عداوته؛ وهو في الجنان؛ وكان على آدم يدور موضوع العداء بين الله جل جلاله والرجيم اللعين إبليس؛ فبدأت العداوة والانتقام، واشتعلت الحرب التي لن تخمد ولن تزول إلا بزوال الدنيا... ولهذا ما نجا ناج إلا بالإخلاص لله رب العالمين؛ والمتابعة لأمره ونهيه؛ الذي ما توفي رسولنا الكريم العظيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إلا وقد بينه لنا أيما بيان وأتمه لنا أيما إتمام. فإنه على هذا قامت الدنيا بحذافيرها؛ إما طاعة للرحمن؛ فنجاة وخلود في الجنان؛ وإما طاعة للشيطان؛ فهلاك وخلود في النيران؛ وبهذا قام العهد ونص الميثاق بين الرب العزيز الحكيم الرحيم وإبليس الغوي اللعين الرجيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ((قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)). د.أبو فهيمة عبد الرحمن