الطريق إلى الحجة المبرورة (2)
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
أمرنا الله عَزَّ وَجَلَّ بإتمام الحجِّ والعمرة، وهذا يعني أن نأتي بها على أكمل صورة ما أمكن، قال البغويُّ رحمه الله: ((هُوَ أَنْ يُتِمَّهُمَا بِمَنَاسِكِهِمَا وَحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ)). (تفسير البغوي 1/217)
وقال أبو حيان رحمه الله: ((الْإِتْمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ ضِدُّ النَّقْصِ، وَالْمَعْنَى: افْعَلُوهُمَا كَامِلَيْنِ وَلَا تَأْتُوا بِهِمَا نَاقِصَيْنِ شَيْئًا مِنْ شُرُوطِهِمَا، وَأَفْعَالِهِمَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ وُجُودُ مَاهِيَّتِهِمَا عَلَيْهِمَا)). (البحر المحيط 2/254)
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامَّتينِ؛ وهذا يشمل كمال الأفعال فِي الزمن المحدَّد، وكذلك صفة الحجِّ، والعمرة - أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقوم به)). (تفسير سورة الفاتحة والبقرة 2/392)
وهذا يعنى أنَّ موافقة خطَّة سير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وحركته فِي الحجِّ مطلوبة لتحقيق أمر الله تعالى لنا بإتمام الحجِّ والعمرة.
واقع إدارة حملات الحجِّ اليوم:
عندما ننظر إلى واقع إدارة حملات الحجّ اليوم نجدها تسير على مسارات مختلفة، فمنهم من لا يأتي يوم التَّرويَة إلى مِنَى أبدًا، ومنهم من يأتي بعد العصر، ومنهم من يأتي ليلًا، وقليل منهم من يأتي قبل الظُّهر.
ثُمَّ يوم عَرَفَة، منهم من يخرج من مَكَّة إلى عَرَفَة ليلة عَرَفَة، ومنهم من يخرج من مِنَى إلى عَرَفَة ليلًا كذلك، ومنهم من يغادرها بعد طلوع الشَّمس.
أما ليلة مزدلفة فغالب حملات الحجِّ المحلِيَّة لا تبيت بمزدلفة مع تفاوت بقائهم فيها، فمنهم من يجلس ساعة أو ساعتين فيها ثُمَّ يغادر، ومنهم من يجلس حتى منتصف اللَّيل ثُمَّ يغادر، وقليل منهم من يبيت تلك اللَّيلة إلى الفجر.
أما يوم النحر، فبعضهم ينتهي من أعمال يوم النحر قبل طلوع الفجر من يوم النحر، ومنهم من يطوف بعد خروجه من مزدلفة ويرمي بعد العصر من يوم النحر، بل بعضهم يرمي جمرة العقبة بعد غروب الشَّمس من يوم النحر.
ولهم فِي أيَّام التَّشرِيق أحوال مختلفة، فغالبهم يأتي جزءًا من اللَّيل ثُمَّ يغادر إلى سكنه فِي مَكَّة، وبعضهم يأتي للرمي ليلًا فقط ثُمَّ يخرج من مِنَى إلى سكنه فِي مكة.
أما المُتعجِّل منهم فيرمي بعد صلاة الفجر من ثاني أيَّام التَّشرِيق، وبعضهم يرميها ضحى ثُمَّ يخرج، وقليل منهم من يرمي بعد الزَّوَال.
هذه صورةٌ مجملةٌ لما يحدث أيَّام الحجِّ من قبل إدارة حملات الحجِّ المحلِيَّة، والتي قد تتشابه مع غيرها من الحملات الخليجية أو غيرها من باقي ديار المسلمين.
والملاحظ أن الإدارة فِي حملات الحجِّ تُلزم حُجَّاجها بخطَّة السَّير الَّتِي تعتمدها فِي حجِّها من غير مراعاة لخطَّة سير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أو الحرص على موافقتها.
أسباب هَذَا الواقع:
لا شكَّ أنَّ لهذا الواقع الذي وصلنا إليه فِي إدارة حملات الحجِّ أسبابًا مختلفة ومتنوعة، وليس مقصود هَذِهِ الرِّسالة مناقشة هَذِهِ الأسباب، أو استعراضها، ولكني أحب فِي هَذِهِ المناسبة أن أذكر بأمرين اثنين لهما أثر فِي الواقع الذي نشاهده اليوم، بل ولهما أثر فِي الأسباب الَّتِي يتعذَّر بها البعض:
الأمر الأوَّل:
أنَّ كل انحراف عن الخط المستقيم يبدأ صغيرًا ثُمَّ يكبر مع طول الزمن؛ أقول هَذَا لنتذكر أنَّ الذين اتخذوا قرار عدم المبيت فِي مِنَى والبقاء فيها أيَّام التَّشرِيق، اتخذوه من غير ضغط عليهم من أي جهة، بل كان غالب النَّاس وقتها يبيتون فِي مِنَى. ثُمَّ لما تبعهم النَّاس على ذلك، جاءت العقوبة العامَّة بتضييق المساحة فِي مِنَى على كل حملات الحجِّ المحلية، ثُمَّ جاءت فكرة الاشتراك فِي المكان الواحد لأكثر من حملة.
الأمر الثاني:
هناك فرق بين أن يضطر الإنسان إلى اتخاذ قرارٍ ما فيه مخالفة لخطَّة سير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بناء على ظروف مفاجئة، وبين أن يخطِّط للمخالفة قبل أن يخرج من بلده إلى الحجِّ.
بمعنى أن من نوى المخالفة ابتداء ووضع خطَّته الإدارية على مخالفة الطَّريقة النَّبَوِيَّة فِي الحجِّ، ليس كمثل من نوى وخطَّط للسَّير على خطَّة سير النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ولكنه أُلجئ إلى مخالفة الهدي النَّبَوِي فِي جزئية معينة.
إذا وضعنا هذين الأمرين نصب أعيننا، استطعنا أن نفهم أسباب الواقع بشكل مريح وواضح.
خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ:
كرر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حجَّة الوداع قوله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)).

Comments

Be the first to add a comment