قال الشيخ : يابُـنيّ .. كُـن أوّل الأوّل عند الله ، وكُـن آخِـر الآخِـر إذا ما النّـاس قد سَقطوا .
هو خيرٌ لك منك لنفسك ؛ لأنّـه أوّلك وآخِـرك، وليسَ بعده آخر .. فَقُـل : إليك إلهـي المَـفرّ ، ومعكَ المقَـرّ .. أنـا بِـك .. لا أملكُ إلا مِنك .. ولا أُعطي إلا بِـك .. سُبحانــه ؛ هو الأوّل في إيجـادك وهو الآخِـر في لقائك ! سبحانه ليس بعده شيء ولولاه ما كان شيء ..
قال التلميذ : والله يارب .. لا أملك أمـراً مِن أمري .. وأراني مِـن حُـزنٍ إلى حـزن .. والأماني خيال من خيالي !
قال الشيخ : العابـرون على دُروب الوجَـع إن كَـان أوّل العبور لله ؛ كان آخِـره الفَـرج .. المُتعَبون مِن نَـزْع الهوى إن كانَ أوّل الصّـبر لله ؛ كان آخِـره الرّضَـى .
ما مسّك الألم ؛ إن كان الله في أوّل الأمر وآخـره !
سبحانــه .. كان بتدبيره لك من قبل أن تكون لنفسك .. تولّـى رعايتك قبل ظُهورك .. هو أولى بـك منك .. وأملَكُ لك، وأقرب إليك .. فَـقُـل :
خرجتُ مِن حولي إليك .. اللهمّ أنت الأول والآخر والمصير إليك .. فقل : ياربّ السُّبل كلها بين يديك .. والجهات كلّها لا تخفى عليك .. فاهدِني سواء السبيل إليك !
أعد لك وجودك من قبل أن يظهرك لجوده !. فاسألْـه كل شيء ؛ فهو المالك لكل شيء .. المدبر لملكه وليس له فيه ظهير، والمنفرد بحكمه دون وزير و لا يليق به: لو أنّ و لكن .. سبق الزمان بعلمه ؛ و يكون و كان !
قال التلميذ : ياسيّـدي .. ماحالُ قلبٍ كان في أوّله محسناً ؛ ثمّ صار آخر العمر أنقاضَ عِصمة ؟
قال الشيخ : يـابُنـيّ .. ذاكَ قلبٌ كانت تخطو على الأرض عثرته !
قال التلميذ : لَـمْ أفهَم !
قال الشيخ : قُـل أعوذ بالله مِن غِـشٍّ في البدايات ؛ يَعقُبه خذلان في النّهايات .. أمر ماكان لله في أوله فقل أعوذُ بالله مِن الزّلل ؛ وقد قارَب السّبيل نهايته !
يابُــنيّ .. لا سلامـةَ إلا بسابق تَوفيق .. فاسأل الله عنايته !
قال التلميذ : عَفوك يـا مَـولاي .. أعوذُ بك من رِيـاء ؛ يجعلُ السّعي عَصفاً مأكولا !
قال الشيخ : مَـن سقى غرْسَـه ؛ اجتنـى غَـرسَـه .. ومَن راعى ما مضى ؛ حُفِظ فيما بقي ! هو الأول وهو الآخر في الأمر كله ..
يابُـنيّ .. هو الله مَـن حَـلّ عليه ؛ لم يرحَـل .. فإيَّـاك أن تَتوه عنه !
قال التلميذ : كيفَ نَـثْـبُـت ؟
قال الشيخ : لا يَصِل سالِـك إليه ؛ إلا مِن التَخلّـي .. ولا تثبُت قدمٌ ؛ إلا بالتّحلّي .. وِمن سلِك بقوّة في دِرب التّكليف ؛ دَرجَ في مِعراج التّشريف ! هذا أول الأمر عنده وكذا آخره ..
يابُنـيّ .. نَظَرْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ ؛ فَإِذَا الَّذِينَ بَلَغُوا مِنْهُ الْغَايَاتُ الْمُنْفَرِدُونَ .. فتفرّد وكُـن عنده أولًا ؛ يكن لك في عُقباك آخِـرا !
يابُــنيّ .. التّلبية أوّل الابتداء .. فرَدِّد : لبّـيك أنتَ ربّـي في كُــل حَــال .. سبحانك أنت الأوّل ولا ثاني، والمُشار إليه في جميع المعاني !
يابُــنيّ .. هو الأوّل والآخِـر ، والغنيّ عن الشِّـرك .. لا يرضَـى الله بقلبٍ فيه ذلّ المُزاحمة .. فسَائِل نفسك ؛ ماذا اصطفيتَ لنبضك ؟
قال التلميذ: يخنقُ قلبي ضَجيج الأنـا !
قال الشيخ : يابُنــيّ .. مَن رأى نفسه بالعِلم ؛ زَلّ بــه .. ومَن رأى نفسه بالعَمل ؛ وقفَ بـه .. ومَن رأى نفسه بالعَقل ؛ عثَـر بــه .. فإن استفاقت فيك فتنة الأَنـا .. فَـقُل : قليلٌ أنَـا بالأنَـا .. كثـير أنَـا بِـلا أنَـا !