ما هي الترجمة الحرة "ثوب الزور"؟
الترجمة الحرة؛ التي سميت "بالجميلات الخائنات"؛ هي أحد النوعين المعروفين في الترجمة؛ وهي مناهضة ومناقضة للنوع الأول؛ الترجمة الحرفية؛ الذي كان يوصي ويعمل به كبار منظري الترجمة في اليونان والرومان؛ لترجمة النصوص الدينية؛ وعلى ذلك جرى التنظير والعمل حتى بدايات عصرنا الحاضر.
في تلك الحقبة (القرن 17)، كان بعض الكتاب الفرنسيين يسعون لوضع نوع جديد للكتابة والتأليف؛ يكون وسيطا بين النثر والشعر.
فكانوا يستعملون نصوصا مكتوبة باللاتينية؛ يعيدون صياغتها في كل الاتجاهات (من حيث الأسلوب واختيار الكلمات والبديع وتراكيب الجمل والنحو...)؛ لأجل توليد نص يقع في منتصف الطريق؛ لا هو مترجم ولا مكتوب! فلا يسمى ترجمةً ولا يوصف بأنه من تأليف الكاتب الأصلي...
هذا، ولقد كان عرَّاب "الجميلات الخائنات" في فرنسا في القرن 17؛ هو الأديب والمترجم الفرنسي نيكولا بيرو دَبلُونْكور؛ وكان يشتغل بذلك في سياق ترجمة النصوص الكلاسيكية بالفرنسية.
ومن هذه الزاوية؛ يلاحظ القارئ العربي الأريب؛ أنه لم تكن هناك وآنذاك صلة بين النص الأدبي أو الكلاسيكي وبين النصوص الدينية الإسلامية؛ مع التأكيد على فكرة أن النصوص الأدبية الهدف منها؛ غالبا؛ هو التسلية والتبحر في الخيال والتعبير عن خوالج النفس وتقلبات المجتمعات... إلى ما هنالك من ألوان "إبداعية"؛ هادفة كانت أم لا؛ مما يشمله الأدب نثرا وشعرا، خطابا وكتابا...
بينما نصوص الإسلام؛ فالمغزى منها هو التعليم ونقل المعارف لرفع الجهل ونشر العلم بالله... ومعرفة الخالق سبحانه؛ ليُعبد كما شرع؛ فلم تشرع الترجمة الإسلامية إلا لتحقيق هذا الهدف النبيل.
فالترجمة الحرة الهدف منها ليس نقل العلوم والمعارف بالطريقة التي اتبعها العالم أو المؤلف في كتابه؛ يعني باحترام أسلوبه والحفاظ عليه بنقله إلى النص المترجَم، واعتماد المترجِم نسق تتابع أفكار المؤلف؛ فلا يحرفها ولا يصادرها؛ وإعادة صياغة جمله وعباراته كما هي دون تحويرها، والاحتفاظ بالصيغ الثقافية كما هي...
إلا أن المترجم الحر؛ بدلا من كل ذلك؛ فهو يُخضع النص الأصل كاملا إلى أذواقه واختياراته الأسلوبية، والثقافية، والإيديولوجية... وإلى منهجه...
فالترجمة الحرة للنصوص الإسلامية ما هي سوى إعادة صياغة النص؛ أو ضرب من "التدوير" في اللغة الفرنسية أو اللغات الأخرى؛ فتنتج لنا نصا موازيا؛ عوض أن يكون نصا مساويا؛ فما هي بترجمة بالمعنى الأصيل الخاص بالنصوص الدينية؛ أي الترجمة الحرفية.
بل كثيرا ما يتعلق الأمر بتشويه لمضمون النص وشكله على السواء؛ فما إن يعمد القارئ الناقد إلى مقابلة النصين؛ الأول والثاني؛ الوالد والوليد؛ إلا وبه يرمق المترجم الحر قد شرد بذهنه كما كان يفعل الأدباء الفرنسيون في القرن 17؛ فينسلخ من جلد المترجم الوفي الوافي؛ ويتسربل برداء الكاتب المبدع في نصه؛ لأنه نصه؛ فيتكلف في الزينة فيبارز المؤلِّف المنتحَل؛ المترجَم له؛ فيضر الكاتب، والكتاب، والقارئ؛ وكأني به ضرة تنافس ضرتها في الحلية!
وفي الحديث الشريف:"أنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ لي ضَرَّةً، فَهلْ عَلَيَّ جُناحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِن زَوْجِي غيرَ الذي يُعْطِينِي؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ". رواه الإمام البخاري رحمه الله.
فهل من فرق بين زينة الكلمات والجمل وزينة الثياب والحلي؛ فجميعها تستمتع بها الأسماع والأبصار؟
فالترجمة الحرة لنصوص الإسلام انتحال وتملُّك؛ والمترجم الحر؛ منتحل ومتملِّك؛ بائع لما لا يملك.
كتبه باللغة الفرنسية ثم ترجمه إلى العربية
د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
https://t.me/Linguistiqueetislam