مرجعية القرآن والسنة في اللغة العربية يتساءل بعضهم: كيف نقنع اللغوي الملحد أو النصراني أننا يجب أن ندرس العربية بربطها بالقرآن والحديث النبوي؛ وهو أصلا لا يؤمن بهما؟ والجواب هو أن السؤال متفرع عن سؤال أكبر منه؛ وهو كيف نُقنع الملحد أن الله خالق كل شيء بالاستدلال بالآيات القرآنية وهو لا يؤمن بالقرآن! والعلماء أجابوا عن هذه المسألة؛ بأن الملحد والكافر يجادلان ابتداء بالحجج العقلية... يعني فيما يتعلق بإثبات وجود الله تبارك وتعالى. ولهذا نجد العلاقة الوطيدة التي لا يصح دراسة اللغة من دونها (كما يفعل ملاحدة اللسانيات الغربية)؛ وهي علاقة اللغة بالخالق؛ فهي واحدة من آيات الله وخلق من مخلوقاته... ولأجل ذلك فإننا نجد في أبحاث اللسانيات أسئلة كثيرة لم يُجب عنها؛ لاستحالة تطبيق المنهج العلمي التجريبي الذي تبنته عليها؛ فأودعوها بسبب ذلك في خانة فلسفة اللغة... وفي الحقيقة هذا مما زاد الطينة بلة؛ حيث أنه قل أن يتفق فلاسفة اللغة في مسألة من المسائل اللغوية... وهذا ديدن القوم؛ فكلما عجزوا عن إقامة المنهج العلمي في بحث لغوي ما؛ أهملوه في دياجير فلسفة اللغة؛ واللبيب بالإشارة يفهم... هذا مع العلم أن تلك الموضوعات تطرقت إليها نصوص الوحي... ولكن مادام أن المنهج العلمي التجريبي اللساني المعاصر مادي بحت (أُمبِرِيكي)؛ لا يقبل إسناد دراسة القضايا اللغوية إلى الوحي (القرآن والسنة بالنسبة للمسلمين)؛ فترى شرخا عظيما ألقى باللغويين والدارسين في متاهات الشك والتخرص بغير علم... وصدق الله سبحانه إذ يقول: ((وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)). وهذا في حد ذاته في الحقيقة مشكلة إبستيمولوجية واضحة وعويصة... فكيف يُطبق منهج تجريبي وُضع للماديات (العلوم الصلبة التجريبية الكيميائية، البيولوجية...) على مسائل لغوية تدخل في العلوم الإنسانية (العلوم الرخوة) التي مناطها إعمال الفكر والتأمل والتحليل العقلي؛ وبربط ذلك كله بالإيمان والدين؛ كما كان يفعل أسلافنا اللغوين المسلمون العرب؟ ولهذا نجد، مثلا، تناقضا كبيرا في قضية أصل اللغة التي تطرق إليها دي سوسير في كتابه اليتيم "درس اللسانيات العامة"؛ حيث أخذ ينط هنا وهناك؛ فيقول مرة أن مصدر اللغة اجتماعي؛ طرأ مع تطور الإنسان (انتبه إلى النظرية التطورية في اللغة)؛ فأصبح يتكلم بعد أن لم يكن متكلما وإنما كان يصرخ فحسب...؛ ثم يقول مرة أن قضية أصل اللغة لا يجب أصلا التساؤل حولها!! هذا مع العلم أن دي سوسير (أب اللسانيات كما يحلو للغربين وقوافل المُعربين تفخيمه) كان قد قرر أن اللسانيات تتبنى المنهج العلمي التجريبي (الأُمْبِريكي) في دراسة اللغات؛ يعني إعمال التجارب؛ فكيف يزعم إذن أن الإنسان كان يصرخ ولا يصدر إلا أصواتا ولم يكن يتكلم؛ فضلا عن أن يُبين؛ بينما نجد العلم التجريبي الصحيح لم يستطع إلى اليوم إثبات أن الإنسان كان حيوانا يصيح ولا يتكلم...!! فرحم الله من تمسك بأصله ونافح عنه؛ والرجوع إلى الأصل فضيلة... قال الله جل وعلا ((الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)). ومعلوم أن البيان هو أعلى مراتب انشاء الكلام وأشرفها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إن من البيان لسحرا". فلو أرجع اللغويون أبحاثهم إلى الوحي المعصوم؛ لاهتدوا وهدوا وما ضلوا وأضلوا... وعودا على بدء؛ فالجواب على من يسأل كيف نجادل اللغوي الملحد أو النصراني...؛ العربي والعجمي؛ بالقرآن وهو لا يؤمن به بسيط؛ وهو لولا هذا القرآن؛ لما استطاع أن يتعلم قواعد العربية التي بفضلها أصبح ناطقا بها؛ فالقرآن ومعه السنة حجة ومرجع في لغة الضاد. والحمد لله رب العالمين. ك/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد. أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية.