الماديّة وانتهاك حرمة الزّوجية

مما لا شكّ فيه أنّ الماديّة طغت على معظم الأوساط إن لم يكن جلّها، فأضحى المرء يصوّر حياته من كل الجوانب ويفخر بما ملك وإن لم يملكه، حتى أقدس ميثاقٍ أصبح في وقتنا الرّاهن موقعًا للتّبختر والتّغنّج وحصد الإعجابات وتحويلها إلى أموال، وليس أسوأ من العزوف عن الزّواج، إلا انعدام المروءة والرّجولة، وهتك العرض مقابل المال، وهذا هو النّمط الرّائج في الوسط حاليًّا.

أستغرب كلّ الاستغراب ممّن سوّلت له نفسه أن يضع من زوجته إطارًا لحصد الإعجابات والمشاهدات مقابل دخلٍ ماديّ تجود به التطبيقات مثل تيك توك ويوتيوب وانستغرام على مستخدميها النّشطين، فتجد المرء يصور مقطع رقصٍ وتمايلٍ على إيقاع الموسيقى لينال المشاهدات وإن كان على حساب عرضه وكرامته، ليس هذا وحسب،  بل ينفطر القلب حسرةً وشفقةً على من اختار نشر خصوصياته كأوراق ممزقة متاحةٍ للعامّة، فتجد الواحد يستغلّ خصوماته وزوجه ويصوّرها خفيةً أو عن طيب خاطرٍ، ليرفقها بعنوانٍ لافتٍ، جاذبٍ لمحبّي الفضائح والمشاكل تحت ذريعة “ربّ ضارة نافعة”

لا يوجد أسوأ ممّن فقد غيرته إثر احتكاكه بعالم السوشال ميديا المريع، ولا أقبح ممّن يستغلّ عرضه وشرفه لجلب المال كمصدر ربحٍ سهلٍ يسيرٍ لا يتطلّب من المرء إلا أن يضع رجولته في صندوقٍ ويلقيه في غيابات الجبّ، وذلك بعد التّأكد من إرفاقه بالحياء والأنوثة ليستأنسا معًا في الظّلمة بعيدًا عن أصحابهما.
هذا النّوع من الزّواج من جهةٍ أخرى، هو وباءٌ يفتك بأهله وكلّ من يأنس به، فلا يبقى الأمر مقتصرًا على طرفين معًا، بل تتسع دائرته ليشمل المتابعين البالغين واليافعين، وكلّ من عشّشت التّفاهة بواطن عقله ليغدو بذلك هدفًا ومبتغىً يطمح إليه كل مشاهد ومتابعٍ وفيّ، وهب ما قد يحصل إذا ما تفشّت التّفاهة في الوسط، وغدا السفيه والتافه قدوةً للكثير، إنّ العاقبة لا شكّ تكون وخيمةً.

هما نوعان طغا في الوسط العامّ، وأصبح من الضّروريّ التصدّي لهما بما أوتي الواحد منّا من قوةٍ وطاقةٍ وجهدٍ، فالأول تشويهٌ لجمالية الاقتران بشريك حياةٍ نمضي قدما برفقته، نخطّ دروب الحياة معًا حتى المشيب، يسند أحدنا الآخر في ضعفه، ويحنو عليه في أوج حاجته، ويكون الطرف للآخر ملجأ وسندًا، فليس العيب أن يكون الزّوج زوجًا، وأبًا، وأخًا، وصديقا، وحبيبًا، ولن يزيده ذلك إلا حلمًا ورجولةً، ليس العيب أن تكون الزوجة لزوجها زوجةً، وأما، وأختا، وصديقةً، وحبيبةً، ولن يزيدها ذلك إلا رقّةً وأنوثةً.

ليس النّوع الثاني سوى انتكاس للفطرة، فما خلق الله الأنثى إلا والأنوثة والحياء منها ولها، وما خلق الذّكر إلا والغيرة والرجولة منه وله، وما تخلّى أحدهما عمّا حباه الله به إلا بملك إرادته وتمام قبوله، فمن قبل بانتكاس فطرته عاش ذليلًا بين أقرانه، لا يرفّ له طرفٌ، ولا ينغص عليه القلب، فإمّا أنّه قد مات ضميره فيحييه الله بأمره، وإمّا أنه لا حياة له، فإنّا وإنّه لله وإنا إليه راجعون، نعوذ به من انتكاس الفطرة، وموت الضمير والفؤاد.

المزيد في جديد مقالات السبيل: "الزواج بين مطرقة الصّراع وسندان الماديّة" بقلم هاجر الدراز

Comments

Be the first to add a comment