من أعظم مسالك العدل عند الشخص قدرته على ملاحظة اختلاط الحق بالباطل، والصواب بالخطأ، والقصد الحسن بالهوى، والاجتهاد بالتقصير في حكمه على الأفكار أو الأشخاص او المذاهب أو غيرها.
فهو واعٍ أن الأمور ليست دائماً على ميزان حقٍ لا باطل فيه أبداً، أو قصد حسن لا هوى فيه أبداً، أو صواب لا خطأ فيه أبداً،
فطبيعة الأمور أن لا تكون بهذه الصفة غالباً، وإنما تتداخل فيه الأحكام.
يدعوه هذا أن لا يتوقف عند هذا الحد فقط، بل أن يدقق في طبيعة هذا الاختلاط:
فيلاحظ فيه الكثرة والقلة، والأصلي والتبعي، والقطعي والظني، والدائم والمنقطع، والسائغ وغير السائغ، والمقدور عليه والمعجوز عنه، وهكذا من موازين دقيقة تعينه على أن يقيم الأمور بعلم وعدل.
وكلما زاد علم المرء واتسع عقله قويت ملاحظته لهذه التفصيلات، وكان مراعياً لها في أحكامه التي يقيم بها الأمور، والعكس صحيح، فمن كان قاصر العلم ضيق العقل فإن أحكامه تكون منفكة عن ملاحظة هذه التفاصيل، فيقع في الظلم والبغي من حيث يظن أنه يحسن صنعاً.
من أجمل ما تضيفه القراءة لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- أنها تغرس في نفس قارئها تعظيم قيمة العدل والعلم في نظرته للأمور، لا يقتصر هذا على المادة العلمية المكثفة في هذه المجالات، بل وما فيها من التزام عملي شديد الرعاية لها يتربى القارئ عليه.