...تابع

4️⃣وعليه فلا يصح إطلاق البعض بأن مسائل العقيدة لا خلاف فيها، لأن هذا خلاف الواقع.

🌿قال ابن عثيمين: "لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة يجب فيها اليقين؛ لأن من مسائل العقيدة ما اختلف فيه العلماء رحمهم الله، وما كان مختلفاً فيه بين أهل العلم فليس يقينياً؛ لأن اليقين لا يمكن نفيه أبدا.

فمثلا اختلف العلماء رحمهم الله في عذاب القبر؛ هل هو واقع على البدن أو على الروح؟
واختلف أيضاً العلماء رحمهم الله ... في الذي يوزن؛ هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟... والقول بان العقيدة ليس فيها خلاف على الإطلاق غير صحيح، فإنه يوجد من مسائل العقيدة ما يعمل فيه الإنسان بالظن..."

إلى أن قال: "ولهذا لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة مما يتعين فيه الجزم، ومما لا خلاف فيه؛ لأن الواقع خلاف ذلك، ففي مسائل العقيدة ما فيه خلاف، وفي مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده.
إذاً هذه الكلمة التي نسمعها بأن (مسائل العقيدة لا خلاف فيها)، ليست على إطلاقها؛ لأن الواقع يخالف ذلك". [شرح العقيدة السفارينية (307- 309)].

🌿وهذا الخلاف لا يقدح في وحدة منهج أهل السنة في التلقي والاستدلال، ولا اتفاقهم في أصول الاعتقاد، لأن من شرط قبوله: أن يستند المخالف إلى دليل معتبر، وألا يخالف نصاً صحيحاً ولا إجماعاً.

5️⃣إذا تبين هذا فإن الاجتهاد سائغ في مسائل الخلاف العقدي المعتبر، وهذا الاجتهاد تارة يتعلق بثبوت الدليل، وتارة بدلالته، وتارة في تطبيق الحكم العقدي على الواقعة المعينة، وهو ما يُعبر عنه بـ (تحقيق المناط)، وعليه فلا يصح إطلاق القول بأن مسائل العقيدة لا اجتهاد فيها.

🌿قال ابن تيمية في سياق حديثه عن المسائل الخبرية (الاعتقادية): "وإذا كانت قد تكون قطعية وقد تكون اجتهادية، سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل العملية، وكثير من تفسير القرآن أو أكثره من هذا الباب، فإن الاختلاف في كثير من تفسير القرآن هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية" [الفتاوى (6/ 60)].

🌳ومن الغريب حقاً: أن البعض يمارس الاجتهاد العقدي، وينقل الخلاف في بعض مسائله، ويرجح بين أقواله، ثم يقول: لا اجتهاد في مسائل الاعتقاد! ويطلق القول بنفي الخلاف فيها!!.

6️⃣المنع من الاجتهاد في مسائل الاعتقاد مطلقاً جارٍ على مذهب المتكلمين الذين يفرقون بين مسائل الاعتقاد ومسائل الأحكام -كما تقدم- فيجعلون الأولى: أصولاً، لا يقبلون فيها إلا الأدلة القطعية، ولا يجوزون الاجتهاد فيها، ويؤثمون المجتهد المخطئ.

أما مسائل الأحكام فيجعلونها فروعاً، ويقبلون فيها الأدله القطعية والظنية، ويجوزون فيها الاجتهاد، ويصوِّب -طائفة منهم- فيها جميع المجتهدين، بحجة أنه ليس لله تعالى حكم معين في الواقعة المعينة!!.

📍وقد تسرب هذا التقسيم وما ترتب عليه إلى الأصوليين فقرروه في كتبهم، وربما عن طريقهم تسرب ذلك، أو بعضه إلى بعض أهل السنه.

📍ويمكن القول: إن نفي الخلاف العقدي مطلقاً، ومنع الاجتهاد في مسائل الاعتقاد مبني -في أغلبه- على هذا التقسيم الحادث المبتدع، وإذا كان باطلاً فما بُني عليه فهو باطل.

🌳والحاصل: أن الخلاف العقدي المعتبر واقع وموجود، والاجتهاد العقدي بضوابطه سائغ ومقبول، والحاجة إليه قائمة، سواء في ثبوت الدليل، أو في دلالته، أو في تنزيل حكمه على الوقائع والأحداث المعينة.

والله أعلم.

📍[سجلت رسالة في جامعة القصيم بعنوان: الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، لسارة الذويخ، وبعض ما ذُكر أعلاه مستفاد منها].

أ.د. سليمان بن محمد الدبيخي

‏ 

Comments

Be the first to add a comment