*أُمُّ زَرْعٍ وَنَعِيمُ الْحَيَاةِ*

وَجَاءَ دَوْرُ أُمِّ زَرْعٍ، وَهِيَ آخِرُ مَنْ تَكَلَّمَ، وَهِيَ أَكْثَرُ مَنْ فَصَّلَتْ فِي حَيَاتِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَلَا يَخْلُو كَلَامُهَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى طَبْعِ النِّسَاءِ فِي إِخْفَاءِ بَعْضِ الْحَقَائِقِ، وَإِظْهَارِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَهَذِهِ نَصِيحَةٌ لِكُلِّ رَجُلٍ يَسْعَى فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِ الْأَزْوَاجِ، أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ فِي غَالِبِ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي. فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى كَلَامِهَا وَيَحْكُمُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا اسْتِمَاعٍ لِزَوْجِهَا أَوْ مَنْ تَشْكُو مِنْهُ.

وَسَأَتْرُكُ لَكَ التَّأَمُّلَ أَيُّهَا الزَوْجُ الْكَرِيمُ فِي كَلَامِ أُمِّ زَرْعٍ لِتَسْتَخْرِجَ بِنَفْسِكَ مَا الَّذِي أَخْفَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ عَنِ النِّسَاءِ فِي حَدِيثِهَا الطَّوِيلِ عَنْ نَفْسِهَا وَزَوْجِهَا.
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ:
زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا.
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.
هَذَا حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا أَبِي زَرْعٍ.
وَمِنْ حَدِيثِهَا هَذَا نَدْرِكُ حَجْمَ الثَّنَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى أَبِي زَرْعٍ.
وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ بِكُلِّ وُضُوحٍ عَظَمَ مُحَبَّتِهَا لَهُ، وَشِدَّةَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، بَلْ وَمُحَبَّةِ كُلِّ مَا لَهُ صِلَةٌ بِهِ؛ مِنْ أُمٍّ، وَابْنٍ، وَبِنْتٍ، بَلْ وَحَتَّى الْخَادِمَةِ.
وَلَكِنْ هَلِ انْتَبَهْتَ أَخِي الزَوْجُ الْكَرِيمُ، أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ عَنْ مُطَلِّقِهَا وَلَيْسَ عَنْ زَوْجِهَا!
إِنَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي جَلَسْنَ هَذَا الْمَجْلَسَ، ((تَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا)).
فَهَلْ تَكَلَّمَتْ أُمُّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا؟ نَعَمْ تَكَلَّمَتْ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ فِي زَوْجِهَا الثَّانِي وَالَّذِي أَغْدَقَ عَلَيْهَا بِالنِّعَمِ الْمُتَنَوِّعَةِ، مَا تَفْخَرُ بِهِ أَمَامَ النِّسْوَةِ فِي الْمَجْلِسِ!، بَلِ اسْتَصْغَرَتْ كُلَّ مَا أَعْطَاهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَاتَّجَهَتْ إِلَى مَنْ طَلَّقَهَا لَتَفْتَخِرَ بِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ!
فَمَاذَا فَعَلَ لَهَا أَبُو زَرْعٍ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ هَذَا التَّعَلُّقَ؟
وَكَيْفَ قَابَلَتْ إِحْسَانَ أَبِي زَرْعٍ لَهَا؟
وَلِمَاذَا خَسِرَتْهُ لَمَّا رَأَى غَيْرَهَا؟
وَمَاذَا رَأَى فِي غَيْرِهَا حَتَّى يَسْتَبْدِلَهَا بِهَا؟
لَعَلَّنَا أَخِي الزَوْجُ، أُخْتِي الزَوْجَةُ، نَعِيشُ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ أَبِي زَرْعٍ فِي هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، لَعَلَّنَا نَجِدُ الْإِجَابَةَ الشَّافِيَةَ لِهَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ.
أَوَّلًا: النَّعِيمُ الَّذِي عَاشَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ:
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ فِي وَصْفِ النَّعِيمِ الَّذِي عِيَّشْهَا فِيهِ أَبُو زَرْعٍ:
أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.

Comments

Be the first to add a comment