(فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فان الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين -إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا- ودفع شر الشرين -إذا لم يندفعا جميعًا… (الفتاوى 23/ 343)
فالأمومة والبيت المسلم رسالة لا تقبل المزاحمة أوالمساومة أو التفريط أو الهدم بأي تأويل كان ..
ومعرفة خير الخيرين لا يكون دائمًا واضحّا لكل أحد، ففي بعض الأحيان تصبح قضية دقيقة جدًا لا تتحصل لكل أحد، فوجب على البيت المسلم الفقه بها، للمحافظة على أركانه والسعي الحثيث في إصلاحه بفهم المراد منه والسعي لتحقيقه، وإدراك مخاطر هدمه وتبعات آثاره المتعلقة بهدمه، ومنها هدم المجتمع الإسلامي .. فيجيب الحفاظ عليه بمعرفة خير الخير والأخذ به، وشر الشرين واجتناب أشدهما مفسدة، ومعرفة أن المصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية ..
فيتنازل المرء أحيانًا عن بهرجة ذاته، وبعض حقوقه وواجباته من أجل استدامة الود والألفة والحفاظ على مملكته الخاصة والأخذ بها في قارب النجاة .. من طوفان الطلاق الذي أمسى يهدد أركان الكثير من البيوت المسلمة، بسبب الجهل بجلب المصالح ودرء المفاسد والنظر بعين الأثرة والأنانية وعدم التفكر بمآلات الأمور ..
فالفقه بالمآلات هو حالة من الوعي بالماضي والحاضر والمستقبل، فالاستغراق في الماضي وحده يخرج الإنسان خارج إطار الواقع فضلا عن المستقبل، واستغراق الفرد في الواقع وجزئياته يعميه عن إدراك المستقبل، ويقعده عن التفكير المستقبلي لدعوته وأمته، والاستغراق في المستقبل دون الوعي بالماضي والحاضر هو خيالات وأوهام لا يقوم عليها شيء، وهذا ينطبق على الجماعات والأمم انطباقه على الأفراد.
وهو فقه لا يحتاج إليه الفقيه فقط، بل يحتاجه كل مسلم ومسلمة وخاصة البيوت المسلمة اليوم وغيرها .. من الجماعات والأفراد.
ولقد تنبه الإمام الشاطبي لخطورة المآلات وأهمية اعتبارها فقال في كلام مفصَّل منضبط: "النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا، سواءٌ كانت الأفعال موافقةً أو مخالِفَةً، وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرةِ عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نَظَرِهِ إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَبُ، أو لمفسدةٍ تُدْرَأُ.. ولكنّ له مآلًا على خلاف ما قُصِدَ فيه. وقد يكون غيرَ مشروعٍ لمفسدةٍ تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكنَّ له مآلًا على خلاف ذلك، فإذا أُطْلِقَ القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أُطْلِق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدةٍ تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صَعْبُ الْمَوْرِد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، مَحْمُودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة". [الموافقات: 5/177-178].
"والحق أن مبدأ اعتبار المآلات من أهم القواعد التي يتأسس عليها علم مقاصد الشريعة؛ وذلك لما يمتاز به من خصائص الغائية والواقعية واستهداف الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولا شك أن هذه العناصر هي المحاور الجوهرية التي ينطلق منها النظر في مقاصد التشريع ... والاجتهاد الذي يهمل ملاحظة المقاصد ولا يعتبر مآلات التصرفات: هو في حقيقته جهد غير مكتمل وقد يقع صاحبه في مناقضة مقاصد الشرع، ويتسبب في إحداث المفاسد التي تنزهت الشريعة المطهرة عنها". [اعتبار المآلات ونتائج التصرفات: 468-469].
فلينظر الرجل إلى بيته بنظرة الاستدامة لا الاستبدال أو الهدم .. ولتنظر المرأة لبيتها وزوجها وأولادها بنظرة التضحية والإيثار لا الأثرة والأنانية ..
فإنها رسالة لا تقبل المساومة وفي هدم الميثاق الغليظ هدم لأغلى ما يمكن للمرء أن ينعم به في حياته الدنيا بعد الإيمان والعافية، ويلحق به آثار هدمه التي خلفها أودل عليها ..
والله ولي التوفيق .. —————————— تمت الاستفادة من مقال: أثر الطلاق على الأسرة والمجتمع والضغوط المرافقة له.