قرأت مقالا لإحدى النساء، تضع فيه مقتطفات من محاضرة للدكتورة هبة رؤوف عزت، تذم فيها انشغال ‏النسوة بأعمال البيت المعقدة (صناعة المحشي في المثال)، وتحاكمهن لمجتمع (الصحابيات) الذي كان مشغولا ‏بالحياة العامة، وتضرب الأمثلة على وظائف خير النساء، ففلانة (خطيبة) وفلانة (تاجرة) وعائشة متعددة ‏الوظائف، وهكذا.‏
وقد أحببت أن أكتب ردا بالغ الإيجاز، لا تمكُّث في تحريره، ولا تأنٍ في بحثه، فليعتبره القارئ مجرد ‏اعتراض مختصر.‏
وقبل الدخول إليه، أحب للقارئ أن يُدرك أمرين:‏
أولهما أن جوهر الخطاب النسوي للدكتورة هبة ليبرالي النوع، فهو معروف بطابعه التصالحي المحافظ ‏غربا قبل شرق، وعليه فهي لا (تُصادِم) النص التراثي، إنما تعيد تأويله لمزاجها النسوي، وتساعدها عوامل ‏عدة في تمرير خطابها ذلك، فهي إنسانة خلوقة مهذبة ذات خطاب جذاب لقطاع عريض من الفتيات، ولا ‏يختلف في ذلك عاقلان، كما أن النسوية الليبرالية تحديدا مُعرِقة في التيار الإسلامي، وجذورها تبدأ في ‏عصر حسن البنا رحمه الله وجماعته، وطرحها ليس أجنبيا بالكلية عن كتب الشيخ الغزالي أو منظرات ‏الإخوان السابقات عليها، وهذا أدعى لأن يُستقبل بهدوء، يساعد عليه زهدها هي نفسها في المعارك ‏والصراعات.‏
ثانيهما، أن عماد خطاب د. هبة منذ نشأت هو إزالة كافة (الأوهام المجتمعية) حول التقسيم الجندري ‏الطبيعي للمجتمعات الإنسانية، والذي يضطلع فيه الرجال (بالمجالات العامة)، وتوكَّل فيه النساء (بالمجال ‏الخاص)، ونادرا ما قرأت لها في غير هذه الفكرة. وهذا أس من الأسس الجامعة للنسوية بكافة أطيافها، بل ‏هو الأقدم على الإطلاق، ومن هذا الأس يأتي الأس الثاني، وهو إلغاء حتمية المجتمع الأبوي وفطرية ‌‏(البطريركية)، وأسلمة ذلك في الخطاب النسوي المتأسلم يكون بالطعن في مفهوم القوامة وتقليصه قدر الإمكان ‌‏(الليبرالية) أو حتى التخلص منه جميعا (الراديكالية). وفي المحاضرة المنقولة تدور تروس هذين الأسين ‏الفلسفيين في خلفيتها، لكن لما كان ذلك التجريد من المحالات لغير العارف بجذور النسوية وأسسها الفلسفية ‏الكبرى = كان استدعاؤه من أشق الأمور على الناقد غير الفاهم للفلسفة، ومن أصعب الأمور على التصديق ‏من المحب الرافض للتأويل والتفلسف.‏
والآن لأبين أبرز مواطن خلل تلك المحاضرة، والتي تتمثل في الآتي: ‏
أولا) تعميم حالات الاستثناء باعتبارها (الأصل الرشيد) [تطويب الندرة].‏
لا تنفك تستحضر النسوية الليبرالية الإسلامية النماذج النادرة التي تعمل فيها إحدى الصحابيات، كي تجعلها ‏هي (الأصل الرشيد) للمرأة الذي يجب بعثه وتعميمه على النساء / وإذا سألت وأين باقي عشرات الألوف ‏من الصحابيات اللواتي كن (يقرن في بيوتهن) ولا يخرُجن، المسكوت عنهن، لا تجد ردا! أين السيدة فاطمة ‏وباقي بنات النبي مثلا؟ أين زوجات عمر وأبي بكر اللواتي لم يُنقَل عنهن عملا؟!‏
تستدعي النسوية الليبرالية هنا الندرة، وتعممها، وتجعلها هي الأصل الذي تُحاكم إليه النساء، ويطلب منهن ‏الاقتداء به!‏
ثانيا) قلب الاستثناء الحياتي وظيفةً [تضخيم الأعمال].‏
تُطلق النسوية الليبرالية زمانا هذه النُدرة، فتجعل أداء الصحابية لعمل ما، بأشراطه التي أولها بالطبع عدم ‏مخالفة الشرع، وإذن وليها، لمدة محددة زمنا = من المطلقات زمانا! فإن ذهبت صحابية للتطبيب في غزوة ‌‏= فهي طبيبة! إن وضعت صحابية مالها تتَّجر به في أيدي الرجال = فهي تاجرة! امرأة قامت تتحدث في ‏جمع = تصبح خطيبة النساء وشريكة النبي والصحابة في الحكم!‏
سلمنا أن عائشة رضي الله عنها فعلت كذا مثلا، أيصح أن نقول حينها: كانت (وظيفة) عائشة فعل ذلك؟ أم ‏كانت وظيفتها (زوجة) في بيت النبي؟! فعلت الصحابية الفلانية كذا، أكانت تلك (وظيفة)؟ أم كانت فعلا ‏استثنائيا، ووظيفتها الحياتية فعلا هي (زوجة وأم) تصنع المحشي وتقضي الساعات في الكنس والطبيخ؟!‏
ثالثا) المضاهأة بين الواقع الوظيفي المعاصر ومجتمع الصحابة [تجاهل الاختلاف المجتمعي].‏
وذاك من أشنع المخالفات التي تتجاهلها عمدا يوتوبيا النسونة الإسلامية، فالواقع الوظيفي المعاصر مزكوم ‏بالمخالفات، فالأصل فيه هو الاختلاط بمعناه المحرم، والتضاحك وإزالة الفواصل بين العاملة والزميل، أو ‏الأستاذة والتلميذ (الذي قد يصغرها بأعوام قليلة أصلا)، وتحديد ساعات عمل معينة لا يمكن التغيب عنها، ‏ومشاركة رب عملها الولاية الشرعية والقوامة مع وليها الأصلي، بما يفوقه غالبا، فيكون له أن يتحدث ‏فتضحك ويأمر فتطيع وينهى فترهب ويُعطي فتركع ويمنع فتسجد! فهذا الواقع الوظيفي المعاصر، الذي هو ‏مخالف للشرع بدءًا من فلسفته كلها، وصولا إلى جزئياته ودقائقه، كيف له أن يُضاهى بواقع عصر ‏الصحابة؟

Comments

Be the first to add a comment