"إنَّ عربة التطوّر الإنساني لا تسير أبدًا على عجلةٍ واحدة، وإنما لا بدّ فيها من اجتماع العجلتين معًا - القيم الأخلاقيّة والروحيّة والمكوّن المادي - وفقدان إحداهما يستلزم بالضرورة تحطّم عربة التقدم واضطرابها الشديد، وكلّ ذلك مؤذن بخراب الإنسانية.

إنَّ مقياس الإنسانية الحقيقي لا يعتمد على مجرّد ما صنعه الإنسان من أجهزة الراحة والرفاهية، ولا على نوع المراكب والمساكن المريحة التي وصل إليها، ولا على ما ركبه من أنواع الأطعمة والأشربة والملاذ، ولا على صنوف الأسلحة الفتّاكة التي يستطيع أن يقتل بها شعوبًا بأكملها، وإنما لا بدّ أنْ يجمع مع ذلك كلّه الحفاظ على التمييز الحقيقي بين الإنسان وبين البهيمة، وأنْ يرتقي الإنسان في أخلاقه وعقله، ويعتلي بروحه وقلبه، ويهذّب سلوكه وتصرفاته الحياتية، ويجعلها أكثر سموًّا ورقيًّا وأخلاقًا واتساقًا مع مقتضيات الفطرة والعقل.

وأي دعوة تتمحور حول ضابط منهما دون الآخر تعد دعوة ناقصة وقاصرة عن تحقيق الإنسانية المنضبط، فمن يدَّعي أنَّ الإنسانية تتحقق بمجرد الحصول على القيم مع التفريط والتقصير في المعاني والوسائل التي تحفظ للإنسان سلامة حياته وخلوها من الآفات، فدعواه باطلة كاسدة، وكذلك من يدَّعي أنَّ الإنسانية تتحقق بمجرد تحقيق السلامة المادية للإنسان، والبلوغ إلى أعلى درجات الرفاهية الحسيّة، مع التفريط والتقصير في الحفاظ على القيم والمبادئ، فدعواه ناقصة كاسدة."

[ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، د. سلطان بن عبد الرحمن العميري، تكوين للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى ١٤٣٨هـ/٢٠١٧م، (١/ ٢٥٩)]

https://t.me/o_alshair

Comments

Be the first to add a comment