"فساتين" نسائيّةٌ لا تتجاوز بضعة أشبار، بناطيلُ ممزقة وهي جديدة، أكمامٌ أوسع من أن تكون عمليّة، ألوانٌ مهترئة كأنّ الزمان أكل عليها وشرب، وغيرها الكثير من الصور العجيبة التي باتت تمثّل الثياب الملائمة للـ"موضة" في أيّامنا هذه، وإن كان الناس يرفضونها بدايةً، فإنهم سرعان ما يعتادون عليها ثم يصيرون من زبائنها..
فما قصة الموضة وتغيراتها؟ وعلى أي أساسٍ يشعر الناس أن من واجبهم اتباع أوامرها؟
قبل حوالي مئة عامٍ من الآن، كان لباس المرأة الغربية يستر معظم جسدها، كانت الأثواب واسعةً وتغطي الكعبين، والأكمام طويلةً، ولا يشف شيءٌ من الأقمشة عما تحتها، لكن التغير بدأ سريعاً في القرن الماضي مع انتشار السينما، وحركات تحرير المرأة والموجات النسوية، وبدء الإنتاج الكبير للملابس وتنافس الصانعين على تشكيلها وبيعها بأحدث الهيئات باستمرار..
تلك التغيرات لم تكن مجرد تجديدٍ للألوان والقصّات مع المحافظة على الأساسات، إنما كانت خروجاً عن كل ما هو معروفٌ في تفلّت من القيم وانسلاخ من الأعراف باستمرار، فتمّ ربط تحرر المرأة بتعريتها، وقوتها بقصر ثوبها (لأنها إذاً تتحكم بجسدها وتخرج عن دينها وعادات مجتمعها! وهذه هي القوة التي أقنعوها بها)، وكانت حيل صُناع الموضة في استغلال رغبات المرأة بالتحرر، ورواج الفكر النسوي، وحب الزبائن للمنافسة متجلّيةً فيما يصنعونه ويقدمونه، ومازال الانحدار في ذلك قائماً حتى الآن.
يقول منظّر الموضة مالكوم يرنارد: "إن الملابس لا تعكس هويّة المرء، إنما تشكّلها له"، وإن تأملنا في ذلك لاحظنا كم هو كبير الجزء الذي يصنعه مخترعو الموضة الذين لا هم لهم إلا ملء جيوبهم من هوية الأمم عبر الأجيال، لقد حوّلوا الأنثى الغربية من امرأة محافظة حييّة إلى أخرى منفلتة لا تعنى إلا بهوى ذاتها، إلى أن صارت عدميّة لا يعنيها أن تخرج بملابس النوم إلى الجامعة والسوق والشارع، طالما أنها مرتاحةٌ وراضية!
واللافت أنّ الناس يشعرون على الدوام بالحاجة لاتباع الموضة الجديدة والتوافق معها مهما كانت مرفوضة لهم في بادئ الأمر لئلا يكونوا "غير طبيعيين" في مجتمعهم، تقول كاتبةٌ في أوكسفورد برس: إننا كأشخاصٍ نحب أن نشعر بأننا ننتمي لشيءٍ كبير، ونقلق من أن نكون غرباء عن محيطنا، وهذا ما تلعب عليه صناعة الموضة العالمية عبر إعلاناتها المكثفة في التلفاز والمجلات، واستخدامها للمشهورات، وتغييرها لما هو طبيعي كل حينٍ لتشعر الناس أن عليهم متابعة الموضة والاستمرار بالشراء على الدوام.
وهذا ما يتم اللعب على وتره اليوم في قضية ألبسة المحجبات التي يتم ترويجها بمبدأ "أنت محجبة، لكن الحجاب لا يمنعكِ من اتباع الموضة!" فصارت الفتاة المسلمة تسعد بمتابعة الموضة العالمية مع غطاء رأس وأكمام طويلة تشعرها بأنها جزء من هذه الهيئة الغربية التي تسوّق لها على أنها "الطبيعي" و"المقبول"، رغم أنها لم تأبه بها ولا بخصوصيتها في الأساس.
فما هي هويتنا نحن؟ ومن أين نستمدها؟ وكيف سمحنا لشركاتٍ لادينية أن تعيد صياغتها لنا كلّ حين في مقابل أن نبدو متحضّرين ومنتمين لمجتمعاتٍ منسلخةٍ عن وحي الله العظيم؟
(الصورة أدناه: نساءٌ أمريكيات في جامعة أتلانتا بين عامي 1895-1900، عن مكتبة الكونغرس Washington, D.C.)
المصادر:
-
https://time.com/3984690/american-casual-dressing/-
https://fashionhistory.fitnyc.edu/1890-1899/ -
https://www.researchgate.net/profile/Nithyaprakash-Venkatasamy/publication/282571020_Fashion_trends_and_their_impact_on_the_society/links/5612398d08ae4833751bd97c/Fashion-trends-and-their-impact-on-the-society.pdf-
https://oupeltglobalblog.com/2010/09/10/why-do-people-follow-fashion-trends/