" نسوية سيمون والإجهاض"

📝بقلم : الزهراء

ذاك الارتداد الحزين الذي يتسلق فؤادها كل ليلة، ويصهر عيناها بالدموع، كان بدايته حينما ضيعت تلك القطعة الصغيرة النامية داخل جسدها في عالم موحش، هي لم تقتله وحده، بل صعدت بروحها حول حبل المشنقة، بينما كان والده بالانتظار.


حينما نتحدث عن قضية الإجهاض في الفكر النسوي، يجب أن نتذكر أن حكمه في الشريعة الإسلامية محدد بضوابط، ولكل حال حكم، بين من قال بالجواز قبل نفخ الروح، ومن اشترط وجود ضرر صحي على الأم يسببه حملها وبقرار الأطباء، فيرجع في هذه المسأله لفتاوى أهل العلم، وأهل الطب لمعرفته آثاره الصحية، لكن مع الفكر النسوي تتم تنحية كل هذه القيود أمام المرأة حينما تسلك طريق الإجهاض، وباسم الحرية تنادي بما يسمى بحق الاختيار، وهو اختيار قتل الجنين بعد مضي أسابيع طويلة على نموه، وتختلف المدة بحسب قوانين الدول، فيسمح للمرأة إجهاض الجنين حتى الشهر الخامس في الولايات المتحدة الأمريكية، وتزيد المدة حتى الشهر السادس في بريطانيا، بينما تقل أكثر من ذلك في بعض الدول الأوروبية، وتمنعه إيرلندا الشمالية لأسباب دينية، بينما هناك مطالبات في دول عربية بتطبيق القانون كما في مصر والمغرب..
ما يهم الإشارة إليه هنا هو مساهمة النسوية في إقرار هذا القانون ووضع بنوده تاريخيًا، وكذلك مايحدث الآن من تصدير لهذه الفكرة المتطرفة كحق للمرأة تقرره وحدها دون تدخل من أحد، وأن حرمانها منه يعد أبوية تمارسها عليها الدولة والمجتمع، وأحيانًا والد الطفل حينما يرفض الإجهاض في الدول التي تشترط موافقته، ولا يمكن أن تتنازل النسوية عن الإجهاض الذي وصفته بالحق، أو تعيد مراجعته أخلاقيًا، ويرتفع هذا الصوت يومًا بعد يوم، ويرسم كمشهد حقوقي أمام النساء، تُتلى فيه الشعارات والعبارات الحقوقية كنصوص مقدسة، لا تسير المرأة في طريق حريتها إلا به، و"الحجج التي تدعم الموقف الحقوقي المؤيد لحق الاختيار تتلخص في:
* أن تحقيق السيطرة على الجانب التناسلي تُمكّن النساء من رسم ملامح حياتهن ومصائرهن.
* أنه ليس على المرأة غير المستعدة للأمومة _ سواء بسبب السن، عدم وجود شريك، أو خطط حياتية أخرى _ أن تصبح أمًا على عكس رغبتها.
* أنه من القسوة استجلاب أطفال إلى هذا العالم ليكونوا فقراء أو غير مرغوبين.
* حيث إن الحمل حَدَث يقع داخل جسد المرأة، فمن حقها تقرير مصيره بين الاستمرار أو الإنهاء" (١)، وتذوب فطرة المرأة في هذه المواقف الحقوقية المدّعاة، والتي تم حصرها من قبل النسويات في هذه الصور، ما بين حرية ارتكزت على ذاتها، ونظرة تشاؤمية لهذا العالم، وتشويه متعمد لمكانة الأمومة، واتهمات دونية لها، كما تقول بهذا الصدد النسوية شيليا روث: "إن القضية هي قضية اختزال المرأة في ماكينة ولادة"(٢)، ولو تخلفت المرأة عن اتخاذ هذا الموقف، سيشك حينها في ولائها الحقوقي لقضايا المرأة، وتتهم بالتبعية الذكورية، وستشاهد هذا دائمًا في كتابات النسويات المناضلات لهذا الاختيار، وتعد سيمون دي بفوار في كتابها الجنس الآخر الذي يعد إنجيلًا للموجة النسوية الثانية من المناضلات لحصول المرأة لحق الإجهاض فتقول: "يصر القانون على اعتبار الإجهاض جنحة. ولاشيء أسخف من الحجج التي توجه ضد تشريعه"(٣)، وتقول كذلك: "يميل الرجال إلى الاستخفاف بالإجهاض فيعتبرونه من الطوارئ العديدة التي كتبها خبث الطبيعة على النساء، ولا يقدرون ما يتضمنه من قيم"(٤)، ثم تتابع وهذه المرة مقرة بجرم الإجهاض: " لقد قيل إن الإجهاض جريمة راقية وهذا القول صحيح إلى حد كبير"(٥)، وفي صورة مشوهة لعلاقة الوالدين بأطفالهم تقول: "إن مصالح الأبوين ومصالح الطفل لا تلتقي دائمًا، وعن ذلك تنجم المأساة"(٦)، ومثل هذه القضية المتطرفة لا يحصر أثرها على ذات المرأة فقط كما تصورها النسوية المؤيدة، مع أنها حصرتها مع المرأة نفسها، حينما لا تناقش آثاره السلبية عليها، حتى ولو كانت صحية، وحجم الثمن الجسدي والنفسي الذي تدفعه المرأة لهذه الحرية، وأنها تشوة صورة الوالدين، بعدما كان دورهما حماية الطفل من كل مكروه، وتغتال فرحتهما بقدوم الجنين الذي قالوا بأنه سيأتي ومعه عبء كبير، فيرغبان طوعًا بقتله، ولو رفض الأب إجهاضه فلا يحق له منع الأم، لأنه حق خاص بها ومرتكز على مفهوم الحرية الفردية، وتكون حينئٍذ جريمة القتل اسمها: حرية، وتصادر هذه النسوية حق الطفل بالحياة، وتزهق روحًا هي في أصلها ملك لله سبحانه، ويحرم قتلها بغير وجه حق.

---
(١) ينظر: خطايا تحرير المرأة، كاري إل لوكاس، ص١٤٦-١٤٧، سطور الجديدة.
(٢) ينظر: خطايا تحرير المرأة، كاري إل لوكاس، ص١٤٨، مرجع سابق.
(٣) ينظر: الجنس الآخر، سيمون دي بفوار، ص١٦٥، الدار الأهلية للنشر والتوزيع.
(٤) ينظر: الجنس الآخر، سيمون دي بفوار، ص١٦٩، مرجع سابق.
(٥) ينظر:الجنس الآخر، سيمون دي بفوار، ص١٦٧، مرجع سابق.
(٦) ينظر:الجنس الآخر، سيمون دي بفوار، ص١٨٤، مرجع سابق.

📩

Comments

Be the first to add a comment