(قولُه تعالى: ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، قال الشافعي رضي الله عنه: «لو فكَّر الناسُ كلُّهم في هذه السورة لكفتهم». وبيانُ ذلك: أنّ المراتب أربعة، وباستكمالها يحصلُ للشخص غايةُ كماله: أحدها: معرفةُ الحقِّ. الثانية: عملُه به. الثالثة: تعليمُه من لا يحسنُه. الرابعة: صبرُه على تعلُّمه، والعمل به، وتعليمه. فذكر تعالى المراتبَ الأربعة في هذه السورة: * فأقسمَ سبحانه بالعصر أنّ كلَّ أحدٍ في خُسْرٍ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهم الذين عرفوا الحقَّ وصدَّقوا به. فهذه مرتبة. * ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، وهم الذين عملوا بما علموا من الحقِّ. فهذه مرتبةٌ أخرى. * ﴿وتَواصَوْا بِالحَقّ﴾ وصّى به بعضُهم بعضًا؛ تعليمًا وإرشادًا. فهذه مرتبةٌ ثالثة. * ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْر﴾ صبروا على الحقِّ، ووصّى بعضُهم بعضًا بالصبر عليه والثبات. فهذه مرتبةٌ رابعة. وهذا نهايةُ الكمال؛ فإنّ الكمال أن يكون الشخصُ كاملًا في نفسه، مكمِّلًا لغيره، وكمالُه بإصلاح قُوَّتيه العلمية والعملية، فصلاحُ القوة العلمية بالإيمان، وصلاحُ القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميلُه غيرَه بتعليمه إيّاه، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورةُ-على اختصارها- هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمدُ لله الذي جعل كتابه كافيًا من كلِّ ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كلِّ خير).