نحنُ...كجيلٍ معاصر جِئنا بعد قرابة قرن من دعوات "تجديد الخطاب"، "الفكر الإسلامي المعاصر"، كان من المُرجحِ تحقيق نتائج التجديد ألا وهي؛ النهوض من حالة المرض والغفوة.
لكن الذي حدث حقيقةً؛ تفكيكٌ لأجزاء جسد المريض حتى عجز عن إحياؤه.
تخيل إنَّ منظرًا سياسيا أو عالما شرعيا أو فيلسوفا في أروقة الأكاديمية أو ماكثا في برجه العاجي قرأ عمن يعتقد بل ويؤمن بإن مشاركة المرأة السياسية في المنظومة الديمقراطية المنهارة المتهالكة، هو الحل لخروج شعوبنا من حالة السقوط الحضاري والأخلاقي التي تمرُّ بها؟ ما سيكون قوله حينها أو ردة فعله؟!
من الجلي إدراك أن هذه الرؤى لا تعدو كونها سوى حقوقيات إنسانوية ليس لها علاقة بمفاهيم الصعود والسقوط الأممي كنظرية منافية للواقعية السياسية، وما كانت المرأة موضوعا في النزاعات الصراعية حتى اقتبسَ الإسلاميون تلك المفاهيم الغربية وأسلموها تحت راية [لا تقدم دون مشاركة المرأة أدوار الرجال التقليدية].
الورقة خاتمة لرسالة الماجستير للدكتورة "هبة رؤوف عزت" وقد كانت المرجع والمؤطر للنسويات الإسلاميات.
______________ كيف يمكن أن نفهم أفكار ورؤى الدكتورة هبة من خلال ما جاء في رسالتها؟
الدكتورة هبة رؤوف عزت، بعيدًا عن تعريفيات ويكيبيديا، فلْدكتورة ليست ممن يخفى على مسلمٍ علمها أو عملها أو جمعها بين البروز والفضيلة وصفات المرأة الدينة الصينة العالمة ولكننا سنتحدثُ عن جزءٍ من أطروحاتها العلمية.
من المؤكد، إن الدكتورة هبة ترفض وصف النسويّة على مُجْمَل آرائها، لكنها تحب لفظ "تحرير/نهضة/تمكين المرأة" الذي تعتقد أنه سرق من المسلمين لصالح العلمانيين، لكن لا مشاحة في المصطلحات فما دام الجوهر قيمًا متجددة عن أصول الأحكام المتعارف عليها فقهيا، فيما يتعلق بالمرأة فهي "نسوية"، وأن النسوية تجريدٌ ذهني لا كيانٌ واقعيٌّ، فالنسوية نسويات، ولا يمكنك أن تشير إلى كيان بأنه (النسوية) [[بألف ولام التعريف]] كما عرفه أحد الأخوة.
وبما أن الدكتورة ترى أن المساواة في الإسلام لها جوانبها المطلقة بين الجنسين والاختلاف هو الاستثناء [كما عبرت] فهنا تقترب من الليبرالية الاجتماعية أو لنقل الموجة الأولى للنسوية بغض النظر عن الاختلافات الطبيعانية أو السيكولوجية والإدراكية بينهما والتي بالضرورة تمنح للرجل كفاءة أعلى في وظائف معينة.
أهلية المرأة للعمل السياسي واجبٌ كفائي وفرض على القادرة منهن، هكذا كتبت وهكذا ترى..
رافضة بذلك قول وعمل المسلمين الأوائل داعية لنصرة إله عصر التنوير الأوربي "الديمقراطية"، باعتبارها المخلِّص للمرأة من سلطة القيم النمطية المقننة لدورها والتي بالضرورة تنسبها لكل الحركات الإسلامية [السلفية والإخوانية بدرجات متفاوتة].
رغم أن أفكار الدكتورة لا تخرج عن ثلاث عقليات (محمد عمارة- الشيخ القرضاوي-عبد الوهاب المسيري) -كما يستنبط القارئ لكتبها- وتقترب كثيراً من التيار العلماني الناعم داعية للبعد عن فكرة الثنائية القديمة (إسلام أو علمانية غربية) وإمكانية الاستفادة من نظام أصله غربي مناقض لقيمنا وتشكيل نظام مشابه له لدعم حقوق المرأة ومشاركتها السياسية، فنحن لأجل الحقوق السياسية نفكك الأصول لتحظى المرأة بموقع في البرلمان، وكل تلك الاجتهادات التي تدعو لها الدكتورة في رسالتها المعنون ذكرها أعلاه أحكامٌ تتطلب علما شرعيا وفقها مستنيراً بالوحي، لكنها ليست منظرة شرعية! كما عبرت في لقاءٍ تلفزيوني.
إنّ بعض المواقع الأجنبية لا تصفها إلا بالنسوية الإسلامية ف Ellen Mclarney تصف رؤية الدكتورة في مقالٍ لها بعنوان "حركات تحرير المرأة؛ دون نسوية" ب: تعتمدُ على النظرية النسوية ولكنها ترفض النسوية كأجندة سياسية غربية". أي تقبل آرائها الاجتماعية لكنها ترفض السياسية العلمانية.
وقد يقول قائل: لمَ هذا الحديث الآن عن مواضيع طرحت قبل عهدين وانطوت سيرتها؟ نقول: إن كل كاتب يُؤطر لنظرية يصبح إلهاما ومرجعا تأسيسيا لما بعده من كتّاب، والدكتورة كانت مؤطرة لأكثر ضربة مؤلمة تلقاها المسلمين وهي "النسوية الإسلامية" التي جعلت من رسالتها مرجعا لكل متلاعبة بالتراث بغض النظر عن حسن مقصد الدكتورة في التلفيق والتجميع بين ثقافتين متنافرتين (الشرق والغرب، الإسلام والعلمانية)!
تقول النسوية شيرين حافظ: "أصبحت مهتمة بالمرأة والنشاط الإسلامي حين قرأت عن هبة رؤوف عزت، وهي باحثة بارزة في الإسلام في الشرق الأوسط وأستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة".
أما حفناوي بعلي عن رسالتها في الماجستير فتسردُ قائلة: "هذا الكلام لم يكن مألوفًا، ولم يطرح بهذا الوضوح قبل هذه الفترة (الثمانينات) وهو مؤشر على ذلك التأثر، فقبل الثمانينات لم يكن هناك واقع له دوافعه وحوافزه للحديث عن المرأة والعمل السياسي، وهي التي لم يسجل لها أي حضور، أو فاعلية حيوية ومهمة على الصعيدين الثقافي والاجتماعي قبل تلك الفترة، الوضع الذي لم يترك أي مبرر للحديث عن المشاركة في العمل السياسي".