هل من يعتني بدلائل الربوبية، ويزيل الشبهات عن فطرية وجود الله، ويتخصص في الرد على الملاحدة من دون أن يكون له أي مشاركة في العناية بتوحيد الألوهية يكون مفرطاً في توحيد الألوهية مشابهاً لطريقة المتكلمين؟

العدل أن يفصل في ذلك فيقال:  

بأن ترك المسلم للبيان أو الدعوة أو التعليم لأي باب شرعي له حالتان:

١-أن يكون هذا الترك بسبب التزهيد في هذا الباب، أو الانحراف عنه، ولا شك أن هذا سيكون مذموماً، ويستحق صاحبه من الذم بحسب ما ارتكب.

لأن هذا الترك لبابٍ شرعي مبني على هذا الانحراف عنه، ويزيد الذم بحسب حجم الانحراف، ومكانة الحكم الشرعي.


٢-أن يكون الترك بسبب عنايته ببابٍ آخر شعر بوجود حاجةٍ إليه، أو رأى نفسه أقدر على النفع فيه، أو نحو هذه الأسباب، من دون أن يظهر منه ما يدل على انحراف في هذا الباب.

فحقيقة مثل هذا أنه قائم بفرض كفائي، فيحمد له فعله، ولا يلزمه أن يقوم بكل الواجبات الكفائية.

نعم، قد يناله النقد من جهة النقص عن الكمال بأن يقوم بالواجبات الشرعية كلها، أو بما يمكنه منها، أو من جهة عنايته بالمفضول وترك الفاضل مع عدم الحاجة، أو من جهة عدم وجود حاجة مقتضية، ونحو ذلك.

أما أن يقال في حق مثل هذا: إنه مفرط في العناية بتوحيد العبادة، أو ينسب إلى طريقة المبتدعة في الانحراف عن هذا الباب أو التأثر بهم في ذلك=فكل هذا من مسالك البغي والاستطالة بغير حق، ولو قصد الناقد بذلك خيراً.

وهذه الطريقة  هي مدخل من مداخل البغي المعاصرة في النقد، بأن يطعن في شخص بما ليس فيه بسبب تركه التعرض لبابٍ ما، فيجعل تركه دليلاً على وجود انحراف عنه.

فقد  يتخصص بعض الأفاضل مثلاً في دعوة الناس بالحديث عن الأخلاق والآداب ، وترغيبهم في الخير بالقصص والسير الفاضلة، وحثهم على النوافل ونحو ذلك، ..

فيأتي من يطعن فيه بأنه لا عناية له بالعقيدة، ولا يهتم بالتوحيد بسبب أنه لم يتحدث في ذلك، فيجعل عدم الحديث عن حكم شرعي دليلاً على وجود انحراف فيه!

ونحو هذه الشواهد التي قد يُحمّل فيها الفعل ما لا يحتمل بسبب قصد سيء عند بعض الناقدين  لتشويه من يخالفهم، أو بقصد حسن عند غيرهم، دفعهم عدم التمييز بين هاتين الحالتين في الوقوع في التجاوز والبغي في نسبة الغلط إلى الآخرين.

وهذه الطريقة تفتح مجالاً واسعاً للبغي والبغي المضاد، إذ من السهل الطعن في كل من يعتني بأي باب مهما كان عظيماً بأنه مفرط في باب آخر.
  د. فهد العجلان

Comments

Be the first to add a comment