فلسفة القرآن! لقد طاف بنا طائف الزمن؛ حتى أصبحنا في زمان نسمع فيه من يطلق لفظ "فلسفة القرآن"!! فهل بلغت القِحة أو الجهالة أو القباحة بهم مبلغها حتى يستسيغوا هذه الجراءة على كتاب الله؟! فماذا يعني هذا اللفظ؟ فكلمة "الفلسفة" كما هو معروف؛ اجتُثت أصولها من اليونانية؛ وهي مركبة من شقين: "فيلو"؛ بمعنى: الحب أو التعلق بالشيء؛ و"صوفيا"؛ بمعنى: الحكمة؛ عندهم؛ أقصد اليونان؛ عبدة الأوثان. ولقد كان أساطين الفلسفة اليونانية يتقحمون المسائل المتعلقة بالوجود والإلهيات والنبوات والغيب والبحث عن الحقيقة؛ في زعمهم؛ بإعمال العقل (الشك، والتخمين، والتخرص) المجرد عن الإيمان بالله واليوم الآخر... فكانوا يكتفون بعقولهم ويتبعون أهويتهم رغم أن الإسلام الذي أتت به الرسل؛ وعلى رأسهم أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ كان موجودا قبل الفلاسفة وفلسفتهم بزمن بعيد... فما محل لفظة "فلسفة القرآن" من الإعراب غير الخوض في القرآن بالعقل والذوق والهوى؟! ولكن قد يقول قائل: يُقصد بها حب الحكمة التي في القرآن. والجواب على هذا أولا؛ هو أن القرآن لا يجوز التفلسف فيه. أما ثانيا؛ فإن الفلسفة بمفهومها الأصلي (حب الحكمة)؛ هو معناها الجذري الذي احتُفظ به في الذاكرة البنيوية للكلمة؛ فهو بمثابة عقد الميلاد الذي يذكر بمكان وتاريخ وظروف ميلاد الكلمة؛ وبمن ولَّدها...؛ ولكن المعنى تغير وتحور مع الوقت؛ فأصبح الفلاسفة والمتفلسفون يشتغلون بأفكار وأمور شردت عن معنى الحكمة والحب... وكثيرا ما يتغير المعنى الجذري مع تعاقب الأحقاب؛ فيُترك استعماله الأصلي حينما يتبنى مستعملو الكلمة معنى أو معاني جديدة... والمعاني الجذرية في اللغات الأوروبية كثيرا ما تُهمل في الاستعمال على مر السنين؛ فهي لغات سريعة التحول (أي التطور؛ يعني تنتقل من طور إلى طور) ... وأسباب ذلك كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. ولذلك تجد أن الموضوعات التي تشغل الفلاسفة لا علاقة لها في الغالب بالحكمة؛ وإن سميت بها؛ فالاسم إذن غير المسمى؛ والعبرة بالمسمى وليس بالاسم؛ وهذه التفرقة بين الاسم والمسمى طريقة قديمة متجذرة فيمن حاد عن الإيمان بالله ورسوله؛ حتى أصبحت فكرا ونهجا راسخا توارثته أممهم؛ أمة بعد أمة. وهو نفس الفكر الذي سمى الإلحاد: حداثة وحرية؛ والخمرة: مشروبات روحية؛ والقمار: يناصيب؛ والرشوة: هدية؛ والزنا: علاقة رضائية؛ والسفاح والفواحش: حرية شخصية؛ والمرأة التي تلد من الزنا: أم عازبة! وسمى الربا: فائدة؛ وسمى العاهر والعاهرة: شريك وشريكة! وسمى اللواط والسحاق: زواج المثليين ومثلية!!... والحبل على الجرار، وإلى الله المشتكى. هذا مع العلم أن كل هذه التسميات أو جلها إنما ترجمها العرب إلى لغتهم من اللغات الغربية. قال الله العزيز القدير: ((يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ)). وقال النبي صلى الله الله عليه وسلم: "ليشرَبنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ؛ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها؛ يُعزَفُ علَى رءوسِهِم بالمعازفِ، والمغنِّياتِ؛ يخسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأرضَ؛ ويجعَلُ منهمُ القِرَدةَ والخَنازيرَ." صححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه. وقس على ذلك غيرها من تلك الحيل اللفظية المغرضة الملتوية؛ ولا سيما في عصرنا الحاضر؛ عصر التكنولوجيا والتقنية؛ والذي ظهر فيه هذا اللفظ القميء "فلسفة القرآن"؛ حاشا القرآن العظيم. والحقيقة أن كثيرا من باحثي العرب المعاصرين بهم شغف بالمفاهيم والمصطلحات الغربية غير معقول؛ وهي ولدت من رحم بيئة الغرب، وثقافته، ومعتقداته، وسياساته، وأيديولوجياته، ونظام حياته؛ ومن خلال نظرتهم للوجود والحياة... فيوظفونها؛ الباحثون العرب؛ على كتاب الله والعربية، ويحوِّرون بذلك جوانب عدة في طريقة تفكيرنا ونظرتنا للحياة؛ الدنيا والآخرة؛ والتي يجب أن تكون؛ بصفتنا مسلمين؛ نظرة المؤمن الموحد؛ كما أراد الله جل وعز ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكأن مطلقي هذا اللفظ نحتوه على نسق اللفظ الآخر" الفلسفة الإسلامية "؛ وهو مصطلح رئيس عندهم. ولكن السؤال الذي يُطرح؛ هو: هل الإسلام؛ الذي هو القرآن والسنة فيه فلسفة؟! فنسأل الله العافية والسلامة. فالمسلمون يتفقهون في الدين؛ ويتعلمون فقه القرآن؛ عملا بحديث نبيهم صلى الله عليه وسلم: "مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ." رواه البخاري. وقبل القرآن؛ فقد فعلوا الفعلة نفسها باللغة العربية؛ فلصقوا مصطلح "فلسفة اللغة" بعد أن نسخوه من اللسانيات الغربية، وزاحموا به مصطلح ففه اللغة؛ فهلا كفاهم هذا الأخير؟ وهذا غرض القوم؛ يريدون القرآن من وراء إسقاط تلك المصطلحات الدخيلة على العربية وعرفها.