في مجلس مدارسة مع بعض الأصدقاء، توقفنا متعجبين من طريقة الشاطبي في كتاب الموافقات في عرضه لأحد مباحثه.

فقد تناول مبحث الحيل، فذكر تعريفه وأنه تحيل بوجهٍ سائغ أو محرم على إسقاط الحكم أو قلبه، ثم ذكر تحريم الحيل، ومخالفتها لمقصد الشارع، وساق الأدلة على ذلك إجمالاً.

عرض بعد ذلك لمحل الخلاف بين العلماء في الحيل، وأن من الحيل ما هو محرم اتفاقاً، وما هو جائز اتفاقاً، وأن الخلاف هو في المنطقة الوسط، التي يشتبه هل تلحق بالقسم الأول أو بالثاني.

ومن هنا شرع الشاطبي يبين وجهة نظر المخالفين له، فيدافع عنهم بأن من أجاز الحيل لم يجزها لأنه يقر أنها تخالف مقصد الشرع، بل إنما أجازها بناءً على تحري قصد الشارع، وقال:

(لأن مصادمة الشارع صراحة علماً أو ظناً لا تصدر من عوام المسلمين، فضلاً عن أئمة الهدى وعلماء الدين، نفعنا الله بهم). الموافقات ٣/١٢٥


ثم ذكر مثالاّ لذلك بنكاح المحلل، فساق أدلة من يجيز التحايل فيه، وبعد أن فرع من ذكر أدلتهم توقف فلم يورد أي دليل ينصر به قوله المخالف لهم، واكتفى بالقول:

(وأما تقرير الدليل على المنع فأظهر، فلا نطول بذكره، وأقرب تقريرٍ فيه ما ذكره عبد الوهاب في شرح الرسالة، فإليك النظر فيه). ١٢٧/٣

وساق بعد ذلك المثال الثاني وهو بيوع الآجال، وكرر ذات الطريقة، فساق دليل من يجيز الحيل، وبعد أن فرغ منها قال:

(وأدلة الجهة الأخرى مقررة واضحة شهيرة فطالعها في مواضعها). 3/131

فلافت جداً أن الشاطبي يحرص على إبراز أدلة مخالفيه، ويسكت عن أدلته، في سياق تقرير مبحث الحيل الذي يرى مناقضته لمقاصد الشريعة، وموقفه شديد في رفضه.

وقد بين الشاطبي بعد ذلك سبب هذه الطريقة الغريبة التي سلكها، وما فيها من تربية لطالب العلم على الإنصاف، وفقهٍ عميق لواقع الناس في عصره، فقال:

(وإنما قصد هنا هذا التقرير للغريب لقلة الاطلاع عليه من كتب أهله، إذ كتب الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب، وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من أهل المذاهب، ومع أن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد ربما يكسب الطالب نفوراً وإنكاراً لمذهبٍ غير مذهبه، من غير اطلاعٍ على مأخذه، فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الائمة، الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين، واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم اغراضه، وقد وجد هذا كثيراً). 3/131-132

ما أعظم الإنصاف، وأجمل هذا العقل وحسن الظن، فرحمهم الله جميعاً.
د. فهد بن صالح العجلان

Comments

Be the first to add a comment