لو أردتُ أن أضع شبهة يمكن أن أصنفها بأنها هي الشبهة رقم (١) من حيث خطورتها في التأثير على محكمات الدين، فسأقول بلا تردد، هي: (الاختلاف في الدين).

والمقصود الاختلاف غير السائغ، فكل اختلافٍ في أي حكم أو نص شرعي هو مدخل يمكن الولوج منه لتأسيس الانحرافات.

بدءاً من الاختلاف في القضايا الفقهية غير السائغة مما يقول العلماء في مثله: أنه: (مخالف لنصٍ من كتاب أو سنة ثابتة لا معارض لها او مخالف للاجماع) فيكون الاختلاف سبباً لتجاوز هذا الحكم، وهذا أهون آثار هذا الاختلاف.

ثم يتمدد الخلاف ليصل إلى الأصول والقواطع الشرعية، فيتردد سؤال: فيه خلاف، وعلى فهم من؟، حتى يكون محفزاً للتشكيك في كل الاصول والمحكمات.

تتسلل شبهة الخلاف في العمق فيستهين بعض الناس بالأحكام والنصوص بدعوى وجود خلافٍ فيها، ولو لم يوجد فيها أي خلاف.

بل إن كثيراً منهم يقول فيه خلاف وهو لا يعلم أصلاً عن أي خلاف، ولا حدوده ولا أي شيء عنه، وإنما تعود أن يسمع وجود خلاف فاصبحت حجة معتبرة عنده في أي قضية يجهلها.

مشكلة هذه الدعوى أن أثرها النفسي أكبر من مقدرتها العلمية والحجاجية، فهي تسقط سريعاً عند النقاش والبيان، لكنها تبقى في النفوس تضعف يقين كثير من الناس، وتوقعهم في حيرة وتردد.

اللافت: أن هذا المعنى هو من المعاني التي تفطن السلف الكرام لخطورتها، فحذروا من زلة العالم، وأثر اتباع المُعظم في غلطه، لأن هذا بداية الطريق: اتباع الاغلاط، ونهايته هو ما نتحدث عنه، الشك في كل شيء لاحتمال وجود شيء من هذه الاغلاط!

ولمعرفة بعض المنحرفين عن أصول الدين لأثر هذه الطريقة في الاختلاف:

يتعمد بعضهم أن يبحث عن أي قول في أي عصر فيشيعه مشككاً في الحكم من دون مراعاة لأي أصول علمية ولا قواعد تفكير صحيحة، لأنه يدرك أن ذات الطريقة تثير الشك والريبة مهما كان فيها من جهل وسوء فهم وكذب.

ولصيانة المحكمات من تأثير هذه الاشكالات، هنا بعض القضايا التي ينبغي التأكيد عليها:

١- تعميق الفهم بحقيقة الخلاف، وأن الخلاف في حد ذاته ليس بحجة، وهذا في الفروع الفقهية فما بالك بأصول الدين.

٢-التاكيد على المحكمات الشرعية، وتوضيح أصولها الشرعية والعقلية، بما يجعلها في منأى عن تأثيرات الاعتراضات السطحية، فدعوى الاختلاف هو من هذا النوع.

٣-بيان اتفاق العلماء على محكمات الشريعة، وأن ما يقع من شذوذ هو من قبيل الأغلاط التي قد يكون صاحبها معذوراً باجتهاده، لكن هذا لا يعني أن كل من وقع فيه هو معذور مثله.

٤-تعزيز مكانة الكلام في الدين، ورفع الوعي بمسؤولية المسلم بأن لا يرعي سمعه لكل متحدث، وأن لا يتقبل حالة الاسترخاص في الكلام عن القضايا المرتبطة بالدين.

@fahadalajlan

Comments

Be the first to add a comment