"كَفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بِكُلِّ ما سمِعَ" رواه مسلم، فهذا الحديث العظيم؛ لو عمل به كل مسلم؛ لنال خيرا كثيرا ولسلم من شرور كثيرة تتعلق بالسمع واللسان والقلب؛ فما من كلام تسمعه وتنقله؛ فإما أن يكون لك؛ فتغنم؛ أو عليك؛ فتشأم؛ ذلك لأن الله تعالى يقول (( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))؛ فإنما هي حسنات وسيئات يكتبها الملائكة.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" أن ابن عباس رضي الله عنهما:"رُئيَ آخِذًا بلسانِه، وهو يقولُ:وَيْحَك! قُلْ خيرًا تغنَمْ، أو اسكُتْ عن سوءٍ تَسلَمْ، وإلَّا فاعلَمْ أنَّك ستندَمُ، قال: فقيلَ له: يا ابن عباس، لمَ تقولُ هذا؟ قال: إنَّه بلغني أنَّ الإنسانَ -أُراه قال- ليس على شيءٍ من جَسَدِه أشَدَّ حَنَقًا أو غيظًا يومَ القيامةِ منه على لسانِه إلَّا ما قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا)."
واللسان هو الذي يجر الويلات على سائر أعضاء وعضلات الإنسان؛ بل إن القلب الذي هو سيدها يتأثر صلاحا وفسادا باللسان؛ وذلك من جهة ما يتحرك به من كلام؛ فذكر الله مثلا يصلح القلب والكلام فيما لا يعني يقسيه...
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ اتَّقِ اللَّهَ فينا فإنَّما نحنُ بِك فإن استقمتَ استقمنا وإن اعوججتَ اعوججنا." حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
واعلم أن أكثر الكلام الذي تسمعه؛ بل وحتى كثير منه من الذي تقرؤه؛ ولاسيما فيما يتعلق بالأخبار؛ ولاسيما في وسائل التواصل؛ فإنما هو من جنس القيل والقال الذي نهينا عنه أشد النهي، لاحتمال أن يكون كذبا أو إشاعة أو ترويجا لباطل أو تهمة فاسدة أو غير ذلك... وسبب ذلك هو بعد الناس عن التثبت والتفحص فيما ينقلوه؛ حاشا من رحم الله؛ وهم أقل القليل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وكَثْرَةَ السُّؤَالِ." رواه البخاري، وقال أيضا :"بئسَ مطيَّةُ الرجلِ زعَموا." صححه الألباني في صحيح أبي داود. وزعموا؛ بمعنى قالوا... وذكروا...
فلو انتبه كل أحد لما يقول ويخبر به ويكتبه وينقله؛ ولو اتقى الله سبحانه في ذلك؛ لقل الشر وكثر الخير.
واعلم أن فساد المنطق وفساد ما يتكلم الإنسان به من كلام؛ مما لا يتبينه ولا يتثبت فيه قبل إلقائه؛ فلا يأبه أن يكون صدقا أو كذبا؛ يفضي به إلى طريق فسيح الزلل؛ مليء الخطوب؛ منتهاه فساد رأي وسوء العمل عموما؛ ولو أظهر للناس غير ذلك.
ودليل ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم السالف:"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ اتَّقِ اللَّهَ فينا فإنَّما نحنُ بِك فإن استقمتَ استقمنا وإن اعوججتَ اعوججنا." ذلك أن اللسان إذا اعوج؛ اعوجت معه سائر الجوارح؛ وبذلك فساد المرء، نسأل الله السلامة والعافية.
قال الإمام مالك رحمه الله:" اعلم أنه فسادٌ عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع." سير أعلام النبلاء: 66/8.
ك/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد

موقع العلم والعمل
Site Science et pratique
https://scienceetpratique.com/    
https://t.me/vrestethadith   
https://t.me/scienceetpratique    
https://t.me/Linguistiqueetisl

Comments

Be the first to add a comment