✿|💡


رمزية الحياء وتجنيس الفضيلة

أ.ملاك الجهني
 
لا يكاد يُذكر الحياء إلا ويتداعى معه إلى الذاكرة قول الشاعر:
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء!

واللافت في الحقيقة أن الارتباط الوجودي بين خيرية العيش والحياء، كالارتباط بين العود واللحاء باقٍ أبدًا.
وإن بات اللحاء المعنوي يقاوم بشدة عوامل التعرية المعاصرة التي تدفع به للتفتت والتلاشي، في عالمٍ أزال كافة الحواجز، وفتح النوافذ جبرًا لريح عاتية أخذت تعيث في الداخل بعد أن عاثت في الخارج ولم يعد هنالك ما هو بمنأى عن عصفها في الخُلق والذوق والعلاقات…

والحياء من كليات الأخلاق الإسلامية، وهو عامٌ للذكر والأنثى، إلا أنه ألصق بالمرأة من جهتي الطبيعة والأحكام، فقد جاءت الأحكام لترعاه وجعلت حفظه مقصدا من مقاصدها، وقبل هذا هو من صميم فطرة المرأة، فالصورة الذهنية للمرأة – ومنذ الأزل – مضرجة بحمرة الخجل، وانكسار البصر في حضرة الرجل، وقلّما توجد امرأة لم يعتريها يومًا ذلك الارتباك الجميل، سواء بقي حاضرا بقوة في شعورها، أو خَفَت، أو غادرها لسبب أو لآخر.. وتطوافٌ سريع في سجلات الأدب العالمي أو مخزون القصص الشفهي يوقفنا مرارا وتكرارا على هذا الوصف وما يضفيه من جمالية فريدة على الأنثى مما يشير إلى كونه مشتركا أنثويا عاما يحمل دلالة رمزية خاصة!.


وقد احتفى القرآن بالحياء الفطري كما في قصة موسى – عليه السلام – والفتاتين اللتين جاءته إحداهما (تمشي على استحياء)، واهتمت تشريعات الإسلام بحفظ هذه الطبيعة ورعايتها حتى في القرارات المؤثرة في حياة المرأة كالزواج، فاعتبرت صمت البِكر إذنًا ساري المفعول كقولها، ولم تطالبها بكسر هذا الحاجز وتكلفِ أمرٍ يصادم طبيعتها ولو كان مجرد النطق بكلمة واحدة لا تتجاوز بضعة أحرف تعبّر عن قبولها أو رفضها لشريك الحياة المقترح!.


ومن تحيزات الثقافة الشعبية قصر الحياء على المرأة واعتباره منقبةً لها، منقصةً في حق الرجل، على أن الحمولة الرمزية الأنثوية للحياء والتي تتجلى في تنصيب حياء العذراء المخدرة نموذجا معياريا يقاس به مستوى هذا الخلق، والذي قورن به وتفوق عليه حياء سيد البشر نفسه – عليه الصلاة والسلام -، هذه الحمولة لم تكن سببا لتجيير الحياء لحساب المرأة وذمّه في حق الرجل أو تجريده منه، وما روي عنه – صلى الله عليه وسلم – يقف على النقيض تماما من هذه الرؤية فقد نهى عن محاولة استئصال هذا الخلق أو تبديده ذاكرًا أثره الإيجابي، وذاك حين رأى رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال له: ((دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)).
والمتأمل في الحديث السابق، وقوله – عليه الصلاة والسلام -: ((ما كان الفحش في شيء إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه)) يلحظ اصطفاف القيمة الأخلاقية إلى جانب القيمة الجمالية في الحياء، كما يلحظ شمولاً في موضوعاته بما لا يحصره في محيط العلاقات بين الجنسين وحسب فهو خلق عامٌ وشامل.
الأمر الذي ينفي بوضوح ما يتردد كذلك في الخطابات التحررية المناوئة، والتي لا تمل القفز المتواصل من الاجتماعي للديني لتصمه هذه المرة بتجنيس الفضيلة أو تأنيثها بمطالبة المرأة وحدها بالتمسك بها دون الرجل، فإذا كان هذا هو موقف الإسلام من فضيلة ارتبطت ذهنيا وتاريخيا بالمرأة فكيف بغيرها من الفضائل!

وإذا كانت الثقافة الشعبية تعاني من رجعية وتخلف أو قصور وتشوه في التصور والممارسة في هذا الجانب نسبة لما يطرحه الإسلام، فالتقدمية تكون بالسير بالمنتمين إلى الإسلام نحو التصورات والأحكام الشرعية وبسط هيمنتها عليهم مجددا، وعلاج التطبيقات الخاطئة يكون بالتحاكم للمثال والتصحيح على ضوئه، وليس بمحاكمته وتحميله أوزار تلك الثقافة وما اجترحه أبناؤها مما لم يكن التصور الديني باعثهم عليه من قريب أو بعيد، بل ربما ألبسوا هذا التصور أزياءً شعبية متعددة تعبر عن رؤاهم وموضوعاتهم الخاصة لا عن الحقيقة الدينية!

كما يفعل غيرهم بالمقابل حين يخلع على المفاهيم الغربية زيا إسلاميا لتبريرها أو تمريرها، دون أن يحاول أيٌ من الفريقين الاقتراب من الحقيقة الدينية ذاتها، لكشفها، وإزالة ما علق بها مما ليس منها، وتقديمها بنقائها الأول.


وبالعودة لنصوص الحياء بل لمختلف النصوص الداعية للتخلق بالأخلاق الفاضلة والمبينة لمكانة حُسن الخلق في الإسلام، لا نجد مطلقا ذلك التخصيص بالمرأة، بل نجد تعميما يتناول الجنسين كقوله – عليه الصلاة والسلام -: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقا))، وقوله: ((الحياء من الإيمان))، فدخلت جميعا تحت مظلة الإيمان، والإيمان -بلا شك- ليس خصيصة أنثوية!.
⏬

Comments

Be the first to add a comment