ويلاحظ أنَّ العطف كله بالفاء التي تفيد التَّرتيب والتَّعقيب من غير تراخ زمني؛ ذلك لأنَّ الأُمَّ الرؤوم تريد المسارعة بنجاة ولدها الحبيب من الذبح، والإلقاء هو السبيل الوحيد أمامها، والله سبحانه وتعالى الذي ألهمها بإلهامه الذي هو وحي، ينقذه قبل أن يموت جوعًا أو تتقاذفه الرياح، يعجل سبحانه وتعالى بالنجاة فألقاه فِي الساحل). (زهرة التفاسير 9/ 4723)
وهناك فرقٌ بين طريقة قذف أُمِّ مُوسَى لموسى في اليمِّ، وإلقاء اليمِّ لموسى على الساحل. قال أَبُو زُهرَة رَحِمَهُ الله: (وقد عبَّر عن وجوده عَلَى الساحل بالإلقاء دون القذف؛ لأنَّ القذف يكون من أعَلَى لأسفل ولأن الإلقاء لم يكن بمعاناة من الأُمِّ، بل كان برحمة من الله تعالى). (زهرة التفاسير 9/ 4724) وهنا بدأت المرحلة الثَّالثة من المعاناة؛ وهي فقد أُمِّ مُوسَى لرضيعها. موسى عليه السلام، ذلك الطفل الرضيع ملقى في تابوت في اليمِّ، واليمُّ يجري بالتابوت بعيدًا عن عين أُمِّ مُوسَى، ثمَّ يتَّجه به بأمر الله إلى قصر الطاغية فرعون؛ وقصر فرعون يطل على النهر، فرآه الحرس فانتشلوه من النَّهر وأحضروه أمام فرعون وامرأته.
والقرار المتوقع هو قتله، لأنَّ الحال في تلك السنة هو قتل كلِّ مولود ذكر يولد لبني إسرائيل. فهل استطاع فرعون قتله؟ وكيف صرف الله عن موسى القتل؟ وكيف كان حال أُمِّ مُوسَى وقد فقدت التابوت الذي فيه رضيعها؛ موسى عليه السلام؟