ـــــــــــ

مرّت الأيام والشهور ، وتحسَّنت صِحتها
قليلًا ، ولكنَّ الحَمل كان مُستحيلًا - كما
كانوا يَقولون -.

وبعد عام تَقدَّم لَها شاب ذو خُلقٍ ودين ، رفضتهُ خوفًا مِن أن يُترك قَلبها ثانيةً ، ولكّنهُ تقدّم مرة أُخرى فوافقت على الجلوس مَعهُ،
حدّد والدها الموعد، وفي الرؤية الشرعية قالت لَهُ:
لَن أستطيع الإنجاب.

قال لَها : ما ضيرُ لو أنَّنا توكّلنا على الله
الذي يَمنح ويَمنع!

- لِمَ لا تتزوّج غيري وَتُنجب ؟

صَمتَ..

- كيف لعاقلٍ أن يَتزوّج مِن عاقر
وهو يعلم أنها لَن تُنجب !

- تقصدين كيف لعاقل أن يأخُذ بأسباب البشر
ويغضُّ الطرفَ عَن المُسبِّب ؟ إن كُنتِ
تقصدين هذا فالذي أعطي زكريا سيُعطيني.

وافقت عليه، وتمَّت الخطبة والزفاف،
وبعد أكثر مِن ثلاثة أعوام حَملت في الطفل الأول،
شعُرت وكأنَّ الدُّنيا قد أشرقت بالربيعُ في عُمرها ،
كانت تذهب لتُحضر مع زوجها ملابس
للطفل وتقول لَهُ " أيُّهم أجمل ؛
هذا أم ذاك "
هل سيكون صبي أم فتاة.
يُشبِهُني أم يُشبِهُك ؟

وتأتي المُصيبة الأولى لَها ولم يَستمر الطفل في رَحمها أكثر مِن ستة أشهُر ثُم توفى،
فقالت لَزوجها بعد أن أفاقت مِن المرض :
ألم أقُل لَك ؟

ابتسم وقال - ألم يَقُل لكِ
" وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ".

- هَل ستَترُكني ؟

- نَعم سأترُكك ، وَلكِن عند المَوت،
وسأعود لألتقي بِكِ ثانيةً في الجنَّة.

مرَّ عام وحَملت مرَّة أُخرى ، كانت هذهِ المرَّة خائفة كثيرًا ،
فقرَّرت عَدم تَرك الفراش، كانت تُصلي وتنام،
وتولّى زوجها خدمتها في هذهِ الفترة ،
فقد كان يذهب إلى العَمل ويأتي هو
ليُعدّ الطعام، ويُنظّف المَنزل.

يرى في عينها مدى اشتياقها للطفلِ،
وحُبّها الشديد لرؤيته، فيزداد تحمُّلًا لأجلها،
وَيزداد قوّة بصبرها ، ولكِن ماشاء اللّٰه كان ،
وتوفى الطفل في الرّحم مرّة أُخرى.

أُصيبت هذهِ المرّة بنوبة مِن الحُزن ،
فبدأ زوجها يجلس معها ليُصبّرها ،
مرًّة يقول لَها :

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ..

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا
وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ..

ومرًّة يقول لَها : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ
مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ،
فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً
وَأَقْرَبَ رُحْمًا..

ثُم يتسلَّل في الَّليل ويبكي لله عزّ وجلّ
ويطلب مِنهُ أن يُراضيها ،
قلّ نومه بسبب كثرة قيام الليل لأجلها ،
وضعف جَسدهِ مِن كثرة البُكاء وتضرُّعه،
وذات يوم وبعد أن قامت مِن فراشها وتحسّنت صحتها ، رأت الضعف الذي حلّ
بزوجها ، فقالت لَهُ بصوتٍ مُتحشرج :

ماذا أصابك ؟

- كُسر عُكّازي.

- أي عُكاز ؟

- أنتِ عُكّازي في الدُّنيا، وعندما أصابك
الألم لَم أجد مَن أستندُ عليهِ فَكُسرتُ ،
قُلتِ لي ذات يوم لِمَ لا تتزوّج غيري وَتُنجب ؟
أتتذكّرين هذا السؤال ؟

- نَعم.

- لأنَّني أردتُّك، جئتُ لَك أنتِ، لَم أتزوّجك
لأجل الإنجاب، أنا تزوّجتك لتشُدِّ أزري،
تزوّجتك لأنّي أُحبّك، لو جعلتي الله
يَرى صَبرك فقط، لمنّ عليكِ.

- أنا أصبُر.

⏬

Comments

Be the first to add a comment