قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:

"ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق".

تفسير آيات أشكلت ( 2/595 )


وفي موضع آخر من مجموع فتاواه، قال رحمه الله :


" فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَعِيشُ مُدَّةً طَوِيلَةً يُصَلِّي وَلَا يُزَكِّي وَقَدْ لَا يَصُومُ أَيْضًا وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَسَبَ الْمَالَ : أَمِنْ حَلَالٍ ؟ أَمْ مِنْ حِرَامٍ ؟ وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ فِي جَاهِلِيَّةٍ إلَّا أَنَّهُ مُنْتَسِبٌ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِذَا هَدَاهُ اللَّهُ وَتَابَ عَلَيْهِ .

فَإِنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءَ جَمِيعِ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَأَمَرَ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا يُحِبُّهُ مِنْ الْإِبْضَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَارَتْ التَّوْبَةُ فِي حَقِّهِ عَذَابًا وَكَانَ الْكُفْرُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ; فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مِنْ الْكُفْرِ رَحْمَةٌ وَتَوْبَتُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ عَذَابٌ .

وَأَعْرِفُ طَائِفَةً مِنْ الصَّالِحِينَ مَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ كَافِرًا لِيُسْلِمَ فَيُغْفَرَ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَهُ مُتَعَذِّرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَسِّرَةٌ عَلَى مَا
قَدْ قِيلَ لَهُ وَاعْتَقَدَهُ مِنْ التَّوْبَةِ .

ثُمَّ هَذَا مُنَفِّرٌ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْفُسُوقِ عَنْ التَّوْبَةِ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُؤَيِّسِ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . وَوَضْعُ الْآصَارِ ثَقِيلَةٌ وَالْأَغْلَالُ عَظِيمَةٌ عَلَى التَّائِبِينَ الَّذِينَ هُمْ أَحَبَابُ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبَّ الْمُتَطَهِّرِينَ . وَاَللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ الْوَاجِدِ لِمَالِهِ الَّذِي بِهِ قُوَامُهُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْهُ .

فَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمُقَامِ أَنْ يُحَرَّرَ فَإِنَّ كُفْرَ الْكَافِرِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَمَا فَعَلَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لِكَوْنِ الْكَافِرِ كَانَ مَعْذُورًا بِمَنْزِلَةِ الْمُجْتَهِدِ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا غُفِرَ لَهُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَالتَّوْبَةُ تَوْبَةٌ مِنْ تَرْكِ تَصْدِيقٍ وَإِقْرَارٍ وَتَرْكِ عَمَلٍ وَفِعْلٍ فَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُجْعَلَ حَالُ هَؤُلَاءِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ كَحَالِ غَيْرِهِمْ
@Dralderes

Comments

Be the first to add a comment