كن جميلا ترى الوجود جميلا
* زَوْجِي َلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ*
هٰذَا صِنْفٌ مِنَ الرِّجَالِ بَخِيلٌ مِنْ كُلِّ الجَوَانِبِ، جَمَعَ بَيْنَ بُخْلِ المَالِ وَبُخْلِ المَشَاعِرِ، وَلَعَلَّ بُخْلَ المَالِ تَغَلْغَلَ فِي قَلْبِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى المَشَاعِرِ فَبَخِلَ بِهَا، وَلِذٰلِكَ وَصَفَتْهُ زَوْجَتُهُ وَهِيَ المَرْأَةُ السَّادِسَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((اللَّفُّ فِي المَطْعَمِ: الإِكْثَارُ مِنْهُ مَعَ التَّخْلِيطِ مِنْ صُنُوفِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالاشْتِفَافُ فِي المَشْرَبِ: أَنْ يَسْتَقْصِيَ مَا فِي الإِنَاءِ، وَلَا يُسْئِرَ فِيهِ سُؤْرًا. وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الشُّفَافَةِ، وَهِيَ البَقِيَّةُ تَبْقَى فِي الإِنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ، فَإِذَا شَرِبَهَا صَاحِبُهَا، قِيلَ: اشْتَفَّهَا)).
(غريب الحديث 2/ 169)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((هٰذِهِ امْرَأَةٌ ذَمَّتْ زَوْجَهَا، فَوَصَفَتْهُ أَوَّلًا بِاللُّؤْمِ وَالبُخْلِ وَالبَرَمِ وَالنَّهَامَةِ وَالجَرَازَةِ، وَسُوءِ المُعَاشَرَةِ وَالمُرَافَقَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُبْقِي فِيمَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَلَا يَذَرُ، وَيَجْمَعُ كُلَّ مَا يَجِدُهُ مِنْ ذٰلِكَ وَيَحْطِمُهُ، وَلَيْسَ هٰذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)). (بغية الرائد ص171)
فَهٰذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ فِيهِ لُؤْمٌ وَبُخْلٌ وَنَهَمٌ فِي الأَكْلِ، فَيَأْكُلُ كُلَّ مَا حَوْلَهُ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَا يُرَاعِي زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، وَهٰذَا مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأَدَبَ فِي الأَكْلِ مَعَ النَّاسِ، فَنَهَى أَنْ يَجْمَعَ تَمْرَتَيْنِ فِي الأَكْلِ وَالنَّاسُ يَأْكُلُونَ تَمْرَةً تَمْرَةً.
وفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((النَّهْيُ عَنِ القِرَانِ فِي التَّمْرِ عِنْدَ العُلَمَاءِ مِنْ بَابِ حُسْنِ الأَدَبِ فِي الأَكْلِ؛ لِأَنَّ القَوْمَ الَّذِينَ وُضِعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ التَّمْرُ كَالْمُتَسَاوِينَ فِي أَكْلِهِ، فَإِذَا اسْتَأْثَرَ أَحَدُهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ لَمْ يُحْمَدْ لَهُ ذَلِكَ)). (شرح صحيح البخاري 7/ 9)
وَقَالَ الأَصْبَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرَةِ وَالحِرْصِ عَلَى كَثرَةِ الأَكْلِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَزْرِي بِصَاحِبِهِ، وَيُؤْثِمُ مَنْ يَذْكُرُهُ بِذَلِكَ وَيَعِيبُهُ بِهِ)). (شرح صحيح البخاري 5/202)
وَالطَّعَامُ الَّذِي فِي الْبَيْتِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَإِذَا اسْتَأْثَرَ بِالطَّعَامِ عَنْهُمْ ظَلَمَهُمْ، وَلَوْ كَانَ هُوَ مَنْ أَحْضَرَ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ لِأَهْلِ بَيْتِهِ الْحَقُّ فِي إِطْعَامِهِمْ وَالصَّرْفِ عَلَيْهِمْ.
وَيَكْفِي هَذَا الرَّجُلَ مَذَمَّةً أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ فِعْلِهِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((اخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ؟ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ، وَيَحْصُلُ بِتَصْرِيحِهِمْ أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَرِينَةِ حَالٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ اشْتُرِطَ رِضَاهُ، وَيَحْرُمُ لِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لَهُ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ)). (فتح الباري 9/ 571)
وَمَعَ اخْتِلَافِ حُكْمِ المَسْأَلَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ قَدْ أَسَاءَ الأَدَبَ فِي الأَكْلِ.
وَأَمَّا الأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي ذَمَّتْهُ المَرْأَةُ بِقَوْلِهَا:
وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
Comments
Be the first to add a comment