🕋《 أيام مَعدُودات 》.. 🕌 الليلة الثانية يطيرُ الحَمامُ حولَ الكَعبةِ فَينبَجِسُ الفرحُ .. ويُبصِرُ الحَجيجُ خُطاهم إلى المَطاف .. وتَهمسُ لهم مَكةُ : تَهَجّى رِحلتك أيها الحاج من طَوافِ القُدوم .. فهذهِ شَعيرةٌ أولُ الوُضوءِ فيها ؛ هو طَواف القدوم ! يَتأجّجُ النورُ هنا حتى يَتوهَج ، ويُهديكَ اللهُ في أولِ لقاءٍ سِرَّ البِداية .. فهنا .. تَغسلُك الكَعبةُ .. تَعتِقُك من ذاتِك .. وتَرى أجنحَة الحَمامِ في قَلبك .. تَرتجِفُ حينَ تطلُّ عليك الكَعبَة بِبَهائِها ، ثمّ تَبزغُ فجأةً ؛ مثلَ نَجمةٍ .. ويَتصلُ بالله الحدَيث ! تَنهمرُ بِلا وَعيٍ على أَسْتار الكَعبة .. وتَخلعُ عن كَتِفَيك الخَوفَ و وسخًأ قَديما ! هنا .. لا تَرى في المَطافِ سِواك .. فالكلُّ يَلهثُ بِالشوقِ .. وعلى بابِ الكَعبةِ ؛ يَرتَعِشُ صوتُ الحَجيجِ بالدعاء .. في غَمرة الوَجد يَبكون .. يَشربونَ دُموعَهم في تَوسلاتِهم .. و يَغص ( الَملتَزِم ) بالأمنيات ! لا يَتقي الحجيجُ شمسَ المَطاف .. الحجيجُ مَشغولونَ بالإجابَة .. مَشغولون بالله عن أنفسهم ! لا دَلالاتٌ للكلماتِ .. لكنّ الأصوات الخَفيةِ تُوحي بنَشيدٍ واحد .. تَنزوي فيه الحروفُ ، وتَتشابه فيه الآهات !
في طوافِ القُدوم ؛ تَستلمُ الحقيقة .. انظر .. قلبُك مُتَهدِّم ، وجدارُ روحك { يكادُ أن يَنقَض } .. يُقيمُه اللهُ ، ولا يَتركك تَقتات الوَجع !
تَدخل إليه بِوعاءٍ فارِغ .. يَمتلكُك جوعُك .. وتَظل عينكَ إلى الله مَمدودة .. يَنسدِلُ السِّتار على كل الوجوه ؛ فلا تُبصر إلا حُروفَ الجرحِ في صَوتك .. هنا .. رائَحةُ الحقيقة .. حيث تَتكىءُ روحُك على وعدِ المغفرة ؛ ولا تنشغلُ بِسواك ! طوافُ القدومِ يقولُ لك ؛ إنّ المَشغول بالله عنه لا يُشغل ! فكيف نمضي أعمارنا نشدُّ السِهامَ على بعضنا !! يَنتصف الوقتُ ؛ أو ينتهي ونحن مُشردون بلا رُشد .. نَتتبع رقاعَ غيرنا ، ونَنسى أننا بلا ثَوب ! كيفَ يَحتشدُ حولك كلُّ الخَلق ؛ِ ومع ذلك لا تَشمّ إلا رَائحةَ الرَماد من حَريقك .. وتَتوسلُ له ؛ أن يطفئَ عنك النار ! آلافٌ يَمضون في قُطرِ دائرة يَطوفونَ تَتسع لهم .. فَلِما لا تَتسع أوطانُنا .. ولِمَا لا نَتسعُ لغير ذواتنا ؟! يَتسِعُ لنا المطاف بألوانِنا ، ومَذاهبنا ، وتَبايُننا .. فلما نَتخاصَم من أقصى المَشرق حتى أقصى المَغرب !! ولكننا حولُ الكعبةِ نَقتسِم الخطوةَ بيننا !! نَقتسمُ أستارَ الكعبةِ بين أحزانِنا !! ونَهمسُ بالبَسملةِ وادِعينَ ، فلا وَسوسَةٌ ، ولا غير إيقاعِ الدّعاءِ والصلوات ! نِحنُ في المَطاف ؛ نَكتشفُ أن الغَفلةَ عن الله قد هدمتْنا .. تَرتفعُ فينا ثَرثرةُ الطينِ فَنشقى .. أو نَنسى ؛ أنّ في البَيدرِ من الشَوكِ ما يَحتاجُ مناجِلَ العُمر كي لا يزيد .. مالنا مَشغولةٌ أعينُنا عن الله بالبحثِ في تفاصيلِ من حولنا ! ما أعجبَ طوافَ القُدوم .. إذ يُعلمنا ؛ أنّ عُمرك تُصوِّبه نَظرة .. أن تاريخَك مكتوبٌ في وجهة عينك .. ضُمَّ القِبلةَ ، ولا تَلتفِت إلى غير الصَدِىء المَنثور في دَربك .. ولا تكن مَسكوبًا في الهمّ على ضِفاف غيرك .. واخلَع عن قلبِك الانَشغالَ بغيرِ الله .. و ارفق بمن حولك .. ولاحِقْ خطوةِ الخَلقِ بِنعلٍ يَحميهم من عثْرةِ الطريق !
ها هو مُحمدٌ ﷺ يَمنحُ للأمة كُلها إذنَ العبورِ إلى سِعَة اللهِ ورحمته .. ويُعلِّمُ الأمِة فقهًا عَظيمًا .. فِقهَ ( لا حَرَج ) ! لاحرجَ على الأعرابِيّ ؛ إذا لم يَلتَقِط كل التَعاليم .. لا حرجَ على الأمِّي ؛ِّ إن أخطَأ في إشاراتِ الطريق .. لا حرج على الشابِ ؛ إنْ التَبَسَت عليه الدُروب .. إنَّما الحَرج علينا .. إن لم نُعلِّمهم كيفَ تُسرَجُ القَناديل !
يَرفعُ النَّبيُ ﷺ صوتَه ( بلا حرج ) .. وَيَعتِقُنا من مُحاكمة بَعضنا لبعض .. ويُعلمنا كيفَ يفيءُ المُسيء لِلمُحسِن .. ويُؤوينا تحت عباءَته ؛ فَنُورِقُ بِفقه المَناسِك !
يسيلُ العَرقُ في ثِياب الحَجيج ؛ ثم يَتبخَّر هناك .. يَرحلُ الى يوم القيامة ؛ ثم يَتجمّعُ غيَمًا باردًا .. العرقُ في القيامة ؛ يُصبحُ خريرًا حانِيًا لا يكف ! تَنفتح الحقولُ في مَكة .. تَنبع زمزمُ ، وتَتفتح في داخل الحَجيج .. تُورِقُ الكعبةُ بالجمال ، و تَرتبكُ الأيدي : من أين نبدأ يا الله ! من أين .. ونحنُ الفقراء لكل هذا الفَضل !
يَخلعُ الحَجيجُ ثيابَ الحزنِ ويَرتدون العَطايا .. الليلُ في مَكة دافء .. الليل في مكة وافرٌ بالدهشة .. الليلُ في مكة مَملوءٌ بالبَوح ! في الحَرم .. تُصبح الأحلامُ طرِيَّة ، وتُبعثُ فيها الرُوح .. وعلى باب " المُلتَزم " ؛ يَنقشُ البكَّاؤونَ بِحنّاء دُموعهم نُصوصَ العِشق !