...تابع

🔶وعدم مباشرة الأسباب الظاهرة، والاعتماد على التوكل وحده متصوَّر في حالين:
🔷الحال الأول: حينما يكون السبب محرماً -وليس ثمة سبب آخر مباح- فهنا يحرم على العبد مباشرته، وتوحَّد السبب في حقه في التوكل، فلم يبق سبب سواه، والتوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد، ودفع المكروه، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق.
🔷الحال الثاني: حينما تكون الأسباب ليست في مقدور العبد، وهذا ظاهر، فليس للعبد حينئذٍ إلا التوكل على الله تعالى، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.
🔷وهكذا حينما يكون العبد في حال الاضطرار، بحيث لا يجد العبد ملجأ إلا التوكل، كما إذا ضاقت عليه الأسباب، وضاقت عليه نفسه، وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا لا يكاد يتخلف عنه الفرج والتيسير بإذن
الله تعالى. [ينظر: الفوائد لابن القيم (163)].

🔶أما إسقاط التوكل على الله تعالى، والاعتماد على مجرد الأسباب فغير متصوَّر بحال.
 
🌿الضابط الخامس: أن لا يعتقد سببية أمر من الأمور إلا إذا ثبت كونه سبباً من جهة الشرع، أو التجربة، فلا يجوز أن يعتقد الشيء سبباً إلا بعلم، ومن أثبت شيئا سببا بلا علم  فقد كذب على القدر، كمن يعتقد أن للنجم تأثيراً في نزول المطر، أو أن للطير أثراً في حصول المقدور أو دفعه، فإن نسبه إلى الشرع فقد كذب على الشرع أيضاً، كمن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء.

🌿الضابط السادس: يشترط في جواز مباشرة الأسباب أن تكون مباحة شرعاً، وإذا كانت من الأسباب الدينية فيشترط ثبوت مشروعيتها، فلا يعني ثبوت منفعة سبب من الأسباب جواز مباشرته، فقد يمتحن الله عباده بتحقيق المنفعة من خلال بعض الأسباب المحرمة، كمن يحصل له مطلوبه من خلال توسله بقبر ونحوه، أو يحصل له الشفاء بدواء محرم، مع توفر المباح.
ونظير هذا امتحان الله تعالى عباده بتيسير المباح في توقيت محرم، كما في تيسيره الصيد حال الإحرام الذي يُحظر فيه الصيد، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب}.
وتيسيره صيد السمك لليهود في يوم السبت المحرم صيده.
وقد امتثل المؤمنون، وتحايل الكافرون.

🌱قال ابن تيمية -كما في الفتاوى(1/137)-: "الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببا إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة - وإن ظن ذلك - فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له".

🌿الضابط السابع: إذا ثبتت مشروعية السبب أو إباحته، وباشره العبد، فليحذر من ثلاثة أمور:
🍃الأول: اعتقاد أن السبب مؤثر بذاته من دون الله تعالى، فذلك شرك أكبر، لأنه اعتقد السبب شريكاً مع الله تعالى في الخلق والإيجاد.

🍃الثاني: الالتفات إلى  السبب -وإن لم يعتقده مؤثراً بذاته- بحيث ينسيه انشغاله بالسبب وتعلقه به المسبِّبَ الأول، وهو الله تعالى، وهذا من الغلو في الأسباب.

🍃الثالث: الجزم بأثر السبب، وهذا أيضاً من الغلو في الأسباب، فهو مؤدٍّ إلى التعلق بها، وقد تقدم أن أثر الأسباب –مهما عظمت- لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى، فوجب التعلق به وحده جلّ وعلا.

[ينظر: الفتاوى (1/ 37) والقول السديد للسعدي (36) وما تقدم من المراجع في قاعدة الأسباب].
 
‏•••═══ ༻✿༺═══ •••

أ.د. سليمان بن محمد الدبيخي .

Comments

Be the first to add a comment