من إشكالات مواقع التواصل الاجتماعي: فتح باب إبداء الرأي لكل أحد في كل شيء.
ترى كلاماً لعالمٍ فاضلٍ على فيسبوك -مثلاً- يوضح فيه قضية معينة، وتحت الكلام ردود لكثير من القرّاء الذين غالبهم من العوام، ولا ينبغي لهم إلا أخذ موضع الطالب المتأدب في حضرة الشيخ الجليل، وقد ذابت تلك الحواجز بينهم وبينه بمجرد عبورهم هذه الواجهة الزرقاء الافتراضية، حيث كلٌ يعلق برأيه في الموضوع كأنه دُعي لمراجعة العالم الجليل، فمنهم من يوافق، ومنهم من يخالف، ومنهم من ينمق كلامه المجادل ويَضل ويُضل.
ففي فضاءٍ يرفِق صندوق تعليقاتٍ بكل معلومة أياً كان قائلها، ويتيح لجميع المتواجدين فيه حق التدخل في صياغة العلم دون أي مؤهلات أو معايير، تتساوى مكانة المعلم بالطالب، والعامي بالمتخصص، ويصير الحق مائعاً معتمداً على وجهة نظر المتكلم وخلفياته، ولا عجب في ذلك كله ان تضيع الحقوق وتندثر الثوابت والأسس التي اتفق عليها العلماء منذ زمن بعيد.
- فتصير فرضية الحجاب رأياً يحق لأي أحد أن يتحدث فيه، وبنقرات بسيطة على لوحة المفاتيح يقول أحدهم: "إن الأمر فيه خلاف"!
- ويصير التعرّي والخضوع بالقول فناً يُحترم ويصفَّق له! كيف لا وجموع من الجماهير تنقر بالإعجاب وتعلق بالتشجيع على منتجاته؟
- ويصير الحديث عن الستر والعفة من "قشور الدين"، بينما التأمل المجرد والغناء من "لب الدين"!
- كما أن الطعن في صحة جامع البخاري يصير رأياً محترماً بناءً على منطق القارئ وفهمه.
وكثيرٌ غير ذلك مما يؤدي الخوض فيه لهدم الدين وتفتيت بقاياه لقصاصات لا معنى لها.
فهذا العالم يرفع قيمة الشعبية، ويحولها مقياساً للصحة والمصداقية، لا لأننا في مجتمع ديمقراطي، بل لأن الناس تحولوا إلى مجرد أرقام تُجمع بغض النظر عن حال كل منهم وراحته وطمأنينته ونفعه مما يتلقاه.
لكن ديننا الحنيف يعلي قيمة كل نفسٍ بذاتها، (فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (رواه البخاري)، ويضع ضوابط على ما يحل لها الخوض فيه وما لا يحل، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36]، حيث كل منا مسؤول عن كلماته وحركاته وسكناته.
وعسى الله يرزقنا تقواه ومراقبته في كل قولنا وفعلنا.
تسنيم راجح
@al_sabeel