عقوق من نوع آخر عقوق الأبناء للغتهم الأم؛ العربية العظيمة؛ عقوق عظيم؛ ينتج عنه فساد عريض... ولا يعلم عظمة العربية إلا من قرأ كتاب ربه بإيمان وإذعان؛ فيجول ببصره وبصيرته خلال تلك الكلمات والجمل والآيات؛ وهو قد عقَدَ العقد في عقيدته أنه يقرأ كلام ربه العليم الحكيم. فأخبرني بربك: هل من لغة على وجه البسيطة تقوى على استيعاب ما قدرت العربية على استيعابه من تلك الأحمال الثقيلة في مبناها ومعناها؟ فوالله إن كل منصف أمين؛ عالم بما بنيت عليه اللغات من أنظمة وحوته من قواعد متداخلة فيما بينها لنظم الكلم بها في مفردات وجمل تحوطها الحروف المتشكلة في أصوات؛ خطابا؛ ثم لتركيب الفقرات ثم النصوص؛ كتابا؛ ليعلم علما؛ ليس بعده شك ولا جهل؛ بأن العربية سيدة اللغات. فقد سَوَّدَها رب العالمين على سائر اللغات والألسن؛ فهو فاطر الإنسان وخالق اللسان؛ وكذب من قال أن اللسان انتاح اجتماعي اكتسبه الإنسان وأكسبه غيره... نعم لقد منحها الله السيادة؛ كما يقال في لغة عصرنا؛ بإنزال آخر كتبه المهيمن على الكتب كلها؛ القرآن العزيز. ومع السؤدد والريادة؛ فقد حاطها الله العظيم بحفظه الكريم؛ وذلك لأنه وعد بحفظ كتابه؛ الذي أنزله بلغة العرب. قال الله جل في علاه ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)). فلا تعجب بعدها ولا تَرتَب؛ يا عبد الله؛ في كون العربية باقية رغم تهالك الأمم بجبابرتها وتعاقب القرون مهرولة متسارعة؛ قضى الزمان في أثناء جريانها على لغات كانت عظيمة؛ عاصرت العربية الخالدة العظيمة ونافستها؛ واحتقرتها الأمم من حولها؛ فاندثرت تلك اللغات جميعا، لغات الجبابرة؛ وأصبحت أثرا بعد عين... فأين اللاتينية والإغريقية؛ لغتا الجبابرة التي صدعوا بهما رؤوسنا... ولا يزالون يفعلون ذلك ببنيات اللاتينية والإغريقية؛ وما سواهما؛ من فرنسية وإنجليزية...!! لقد زالت اللاتينية وزالت الإغريقية كما زال فلاسفتهما الذين صدع أقوام من بني جلدتنا بهم رؤوسنا... وإن عجبت يا أخي؛ فاعجب من العربي المقل لعربيته المعظم لما دونها من لغات بني الأصفر؛ جحودا واستكبارا! ومن عق أمه التي حملته ثم ولدته؛ فلا تكن في حيرة من أمره أنه عق لغة أمه... فأين أفلاطون المتعصب للاتنيته المحقر لغيرها من اللغات؛ وأين سقراط وأين أرسطو؛ وأين من قبلهم ومن بعدهم من جبابرة الفكر والمعتقد؛ الذين استعبدوا أمما من الناس بفلسفتهم وفكرهم وطريقة تفكيرهم!... وهم لم يعلموا من هو خالقهم؛ فلم يعبدوه ولم يوحدوه! نعم، صحيح أن اللغات من آيات الله؛ ولا يشك مسلم في ذلك. ولكن الآيات ذاتها متفاوتة كما تتفاوت المعجزات أيضا؛ فمنها العظيم ومنها ما هو دون ذلك... وكذلكم هي عظمة العربية مقارنة بلغات العالم كلها... فالقرآن معجزة الله الخالدة الباقية؛ والعربية لغة القرآن؛ فلها نصيب من الإعجاز لا يشك في ذلك من شم رائحتها.... ومن لم يشم رائحتها بعد؛ فنقول له: عودا على بدء: اقرأ القرآن كلام رب العالمين على الوصف الآنف ذكره في أول المقال، والله وحده الموفق لكل خير والمعين عليه. ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40))). وكتب: د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد. أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية.