ومعلوم أن "فلسفة اللغة" ميدان غربي في اللسانيات؛ يعتبر لديهم كالمستودع الذي تلقى في دياجيره الأسئلة اللغوية التي لا يقبلها العقل التجريبي؛ يعني التي لا يمكن دراستها عن طريق التحليل المادي للكلمات والمعاني والأصوات والجمل والتراكيب...
وانظر إلى أثر السوء الذي خلفته ترجمة فلسفة اليونان إلى العربية على المسلمين؛ في عقيدتهم ولغتهم.
وكفى بها سوءا ما أحدثته من الخوض في العقائد والغيبيات بما سمي بعلم الكلام؛ فخاصموا بذلك نصوص الوحيين؛ الكتاب والسنة؛ وفرقوا الأمة بعد أن كانت واحدة موحدة، ونشروا الجهل والضلال...
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"فيا للعقول التي لم يخسف بها؛ أين الدين من الفلسفة؟ وأين كلام رب العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين؟ وأين المعقولات المؤيدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا وأتباع هؤلاء ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟ وأين العلم المأخوذ عن الوحي النازل من عند رب العالمين من الشبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين؟ فإن أدلوا بالعقل؛ فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء؛ وإن أدلوا برؤسائهم وأئمتهم كفرعون ونمرود وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم؛ فلم يزل أعداء الرسل يعارضونهم؛ فهؤلاء وأمثالهم يقدمون عقولهم على ما جاءوا به؛ ويا لله العجب كيف يعرض قول الرسول بقول الفيلسوف؛ وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل أن تتبع الفيلسوف؛ فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه؛ والوحي حاكم والعقل محكوم عليه؛ ولو كان العقل يكتفى به؛ لم يكن للوحي فائدة... " الصواعق المرسلة: ج. 3، ص. 816-817.
هذا؛ فمن أراد نجاة نفسه بين يدي ربه؛ فلا يلقي بها في مهاوي الذين يجرِّئون الناس على كتاب الله؛ ويعينون الشياطين عليهم؛ ينمقون الكلام ويزخرفون القول؛ ((يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ))؛ فيحسبه الجاهل علم من العلوم؛ وما هو بعلم؛ ولا متعلمه هو من الدين والفقه والمعرفة في قبيل ولا دبير؛ ولا هو في العير ولا النفير.
فيقتحمون كلام الله بغير هدى وعلى غير هدي الأسلاف الصالحين؛ فخالفوهم في تدبر القرآن وتفهمه وتفسيره والعمل به؛ يخوضون فيه بالآراء والظنون والخواطر والتفلسف: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ))؛ فيضلون الناس؛ ((لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)).
فليتق الله رب العالمين فيما يفشيه من ألفاظ ومفاهيم في أوساط المسلمين؛ وليترك كتاب الله بعيدا عن نهمه بمصطلحات الغرب والشرق؛ فلن ينفع بذلك الأمة أبدا؛ إذا أحب نفعها حقا.
فماذا جنى المسلمون من ترجمة كتب الفلسفة اليونانية إلا التناحر والتشرذم والخلافات العقدية؛ التي منها نشئت الخلافات الأخرى في مجالات الحياة الكثيرة... فالعقيدة هي الأصل في كل صلاح وطلاح.
ثم هل تفتقر اللغة العربية الأصيلة إلى ألفاظ نزيهة شريفة؛ سليمة المبنى والمعنى؛ حتى يفزع إلى تلك اللفظة الشاذة "فلسفة القرآن"؟
واعلم أن طريقة العلماء من أيام السلف الأُوَل في تسمية العلوم والمعارف التي لها صلة بالقرآن والسنة؛ هي انتقاء أحسن الألفاظ، واستعمال أوضحها وأبعدها عن اللبس والاشتباه على الفهم؛ وكثيرا ما كانوا ينزعون إلى اختيار الألفاظ التي وردت في القرآن أو في السنة أو في كليهما؛ فأطلقوا أسماء: علوم القرآن؛ كتفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ؛ وأسباب النزول؛ وكذا غيرها من العلوم؛ كعلم التوحيد، والعقيدة، والفقه، وأصول الفقه والحديث، وعلم الحديث؛ وهكذا دواليك.
وقد قالوا:" شرف العلم؛ بشرف المعلوم"؛ فكلما عز محتوى ذلك الفن الذي يتعلموه؛ سنا الفن وسمى معه اسمه ومعلمه ومتعلمه.
فأين هي تلك التسمية الغريبة الموحشة "فلسفة القرآن" من هذا كله؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن، أولى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد.
والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.
والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع.
ثمّ قد يُجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يُضطرب في معناه.
وهذا أمرٌ يعرفه من جرّبه من كلام الناس؛ فالاعتصام بحبل الله؛ يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام. " كتاب النبوات: ج. 2، 876. ط. الشاملة.
فاللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر نفوسنا؛ واللهم اهدنا وسددنا.
د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في علوم اللسان باللغة الفرنسية
متخصص في الألفاظ الإسلامية

https://t.me/Linguistiqueetislam

Comments

Be the first to add a comment