سارت أخت مُوسَى بحذر شديد تتقصى أخبار الطِّفل الرَّضِيع بعد أن انتشله جنود فرعون من اليمِّ وأدخلوه إلى القصر. وبعد أن حصل ما حصل من الحوار بين فرعون وامرأته فِي مسألة إبقاء الطِّفل وعدم قتله، واستقر الأمر على عدم القتل، حصل ما لم يكن فِي حسبانهم، فقد جاع الطِّفل وبدأ بالصراخ والبكاء المستمر، وهذه وسيلة كل رضيع إذا طلب الرَّضاعة، فإنه يبكي حتَّى تستجيب له أمُّه، ولكن مُوسَى عليه السلام لمَّا بكى لم يجد من يستجيب له من داخل القصر، فأربكهم ببكائه، وصعب عليهم تهدئته.
وفِي حال الإرباك غالبًا ما يفقد العقل قدراته فِي التَّفكير العميق، ويقع فِي الاستعجال لمعالجة اللَّحظة الحاضرة من الموضوع. فكان أسرع حلٍ لموضوع بكاء الطِّفل أن تُرضعه أيُّ امرأة؟! فبدأ أهل القصر بالبحث عن مرضعة له، فِي الأسواق وتجمعات النَّاس، ومن البيانات التي كانت عندهم عن المراضع، فقد كانوا يمتلكون قاعدة بيانات عن كل نساء بني إسرائيل، ويعرفون من هي التي حملت وولدت، وماذا أنجبت! ولكنَّ الله سبحانه حرَّم عليه المراضع، قال تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) [القصص: 12].
قال ابن كَثِير رَحِمَهُ الله: (أي تحريمًا قدريًا، وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أَنْ يَرْتَضِعَ غَيْرَ ثَدْيِ أُمِّهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى رُجُوعِهِ إِلَى أُمِّهِ لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة). (تفسير ابن كثير 6/201) وقال الطَّاهر بِن عَاشُور رَحِمَهُ الله: (وَالتَّحْرِيمُ: الْمَنْعُ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ تَكْوِينِيٌّ، أَيْ قَدَّرْنَا فِي نَفْسِ الطِّفل الِامْتِنَاعَ مِنَ الْتِقَامِ أَثْدَاءِ الْمَرَاضِعِ وَكَرَاهَتَهَا، لِيَضْطَرَّ آلُ فِرْعَوْنَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ مُرْضِعٍ يَتَقَبَّلُ ثَدْيَهَا؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَامْرَأَتَهُ حَرِيصَانِ عَلَى حَيَاةِ الطِّفْلِ، وَمِنْ مُقَدِّمَاتِ ذَلِكَ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ إِرْضَاعَهُ مِنْ أُمِّهِ مُدَّةً تَعَوَّدَ فِيهَا بِثَدْيِهَا). (التحرير والتنوير 20/ 83)
واغتنمت أخت مُوسَى الفرصة لمَّا خرجوا به إلى السوق وتجمعات النَّاس ليعرضوه على المراضع، فقالت: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) [القصص: 12] قال السَّعْدِي رَحِمَهُ الله: (ومن لطف الله بمُوسَى وأمه، أن منعه من قبول ثدي امرأة، فأخرجوه إلى السُّوق رحمة به، ولعل أحدًا يطلبه، فجاءت أخته، وهو بتلك الحال (فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ). وهذا جُلُّ غرضهم، فإنهم أحبوه حبًا شديدًا، وقد منعه الله من المراضع فخافوا أن يموت، فلمَّا قالت لهم أخته تلك المقالة، المشتملة عَلَى الترغيب، فِي أهل هذا البيت، بتمام حفظه وكفالته والنُّصح له، بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلتهم عَلَى أهل هذا البيت). (تفسير السعدي 613)
وقد تتساءلين: كيف صدقوها بهذه السرعة ولم يتثبتوا؟ قد وردت رواية صحيحة عن ابن عباس تبين ذلك، قال ابن عباس : فلما قَالَتْ ذَلِكَ، أَخَذُوهَا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهَا، وَقَالُوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم فِي سرور الْمَلِكِ وَرَجَاءُ مَنْفَعَتِهِ، فَأَرْسَلُوهَا. (تفسير ابن كثير 6/ 201)
وهذا من تدبير الله وحفظه لموسى، ألهما الجواب، وقذف في قلوبهم تصديقها. ثم إنَّ هؤلاء الذين خرجوا به إلى السُّوق بحثًا عن مرضعة يقبل ثديها قد بلغ بهم اليأس مبلغه من أن يجدوا من تستطيع أن ترضعه من كثرة ما رفض الطِّفل أثداء المرضعات. وفِي هذه الحالة عندما يقال لهم هنا مرضعة ناصحة لن يدقِّقوا كثيرًا، ولن يبحثوا عن تفاصيل هذه المرضعة وإنما سيذهبون لها مباشرة لعلَّ وعسى أن يقبل ثديها.
وهذه الحاشية خرجت فِي مهمَّة، ويصعب عليها أن ترجع إلى القصر وقد فشلت فِي مهمَّتها، وهم يعرفون بطش فرعون، فلابدَّ أن يجدوا له مرضعة أيًّا كانت هذه المرضعة المهم أن يسكت هذا الطِّفل، وينالوا رضى فرعون وعطائه من المال ونحوه. وكل هذا من تدبير الله لموسى. فعاد مُوسَى إلى أمه، معززًا، مكرمًا، وذهب الخوف من قلب أمِّه بعودته إليها سالمًا، قال تعالى: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) [طه: 40]، وقال سبحانه: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص: 13]