والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو -مع أن الله يخلق فيه الإرادة والقوة والفعل- فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته، تعاونه على مطلوبه -ولو كان ملكا مطاعا- ولا بد أن يصرف عن الأسباب المعاونة ما يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع...
ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق لأن يُدعى غيره، فضلا عن أن يُعبد غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يرجى غيره، وهذا مبرهن بالشرع والعقل، ولا فرق في ذلك بين الأسباب العلوية والسفلية، وأفعال الملائكة والأنبياء والمؤمنين وشفاعتهم، وغير ذلك من الأسباب، فإن من توكل في الشفاعة أو الدعاء على ملك أو نبي أو رجل صالح أو نحو ذلك قيل له: هذا أيضا سبب من الأسباب فهذا الشافع والداعي لا يفعل ذلك إلا بمشيئة الله وقدرته بل شفاعة أهل طاعته لا تكون إلا لمن يرضاه، كما قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}...
وإذا كان هكذا في مثل هذه الأسباب؛ فكيف بمن توكل أو رجا أسبابا غير هذه، من الكواكب أو غيرها، أو من أفعال الآدميين من الملوك والرؤساء والأصحاب والأصدقاء والمماليك والأتباع وغير ذلك، ومما ينبغي أن يُعلم: ما قاله طائفة من العلماء. قالوا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد". إلى أن قال: " فقد تبين أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد وهو ظلم وجهل وهذه حال من دعا غير الله وتوكل عليه". [وينظر مجموع الفتاوى (1/121- 137)].
🌿ومن صور الالتفات إلى الأسباب: الجزم بحصول أثرها عليها، كمن يجزم بأثر الدواء، وهو الشفاء، أو أثر شفاعة الوجيه، أو أثر الاجتهاد في أمر ما...الخ.
🌿ومن صوره أيضاً: التعلق بالسبب، ونسيان المسبب، وهو الله تعالى، كمن يتعلق قلبه بالطبيب، أو الراقي، أو الوظيفة، غافلاً عن أن الله تعالى هو الشافي، وهو الرازق، وهو المعطي، وهو المانع، جلَّ وعلا. قال ابن القيم في طريق الهجرتين (259) في سياق الحديث عن الأسباب: " وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح في التوحيد والتوكل".
🌿ومن صور الالتفات إلى الأسباب: إثبات شيء من الأشياء سبباً، وليس كذلك، لا من جهة الشرع، ولا من جهة القدر، فلم يثبت في الشرع جعله سبباً، ولم يثبت من خلال التجربة كونه سبباً، كمن يلبس الحلقة والخيط لدفع البلاء أو رفعه، أو يستسقي بالنجوم معتقداً تأثيرها في نزول المطر، أو يقدم ويحجم بناء على التطير، فمثل هذا محرم لا يجوز، لأنه كذب على الشرع وعلى القدر، وقد يصل إلى الشرك عندما يتعلق قلبه بها.
🔶قال ابن تيمية –كما في الفتاوى (1/137): " لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئا سببا بلا علم، أو يخالف الشرع كان مبطلا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء" [وينظر: القول السديد للسعدي (38)].
🌿ومن صور الالتفات إلى الأسباب: اعتقاد أنها مؤثرة بذاتها، وأنها فاعلة على جهة الاستقلال، وهذا شرك أكبر، لأن هذا يعني إشراكها مع الله تعالى في الخلق والإيجاد، وقد انعقد الإجماع، على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أنه لا خالق إلا الله تعالى.
🌳وحاصل ما يجب أن يُعلم هنا:
1️⃣أن السبب لا يستقل بحدوث شيء من الأشياء بمجرده، فثمة أسباب أُخر تشاركه في حصول المقدور، وثمة موانع تعارضه، فالواجب العمل على تحصيل بقية الأسباب المشاركة، والعمل على إزالة العوائق والموانع المعارضة، مع استصحاب أن بعض الأسباب المشاركة، وكذا العوائق الممانعة ليست في مقدور العبد، مما يحتِّم على العبد الاعتماد على الله تعالى وحده لا شريك له في تحصيل الأسباب ودفع الموانع.
2️⃣أن توفر جميع الأسباب، وانتفاء جميع الموانع، ليس موجباً لحدوث المقدور، فلا بدّ من مشيئة الله تعالى، ولذا لم تحرق النار إبراهيم عليه السلام، لأن الله تعالى لم يشأ ذلك، بل كانت برداً وسلاماً عليه، ولذا لا يجوز أن يتعلق القلب بغير الله تعالى، فالتعلق بالسبب -كما أنه شرك بالله تعالى- نقص في العقل أيضاً، فالعاقل يتعلق قلبه بخالق الأسباب والمسببات، الذي بيده إمضاءها أو تعطيلها. فالعلاقة بالأسباب يجب أن لا تتجاوز حركة البدن، وأما القلب فيجب أن يكون متعلقاً بالله تعالى، ولا يجوز أن يتعلق بالسبب.