خدمة تيلغرام / الدكتورة : كفاح أبو هنود:
📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙 الّليلةُ الَّليلةُ الخامِسة عشَـر

- المَلـِك الـدَّيـّان ..

جلسَ الشيخُ حاسـِرَ الرأسِ، حافيَ الصَوت، مسكوناً بـِهيبةِ الاسم..
فلمـّا تكَـلّمَ؛ كَـان صوتـه مراثي.. فقَـال:
أناديكَ يا ربـّي لهَفًـا للتوبة؛ وما كنتُ ناسِيـًا!

أُناديكَ..
عفوَك قبل أنْ تغدو الآخرة لنا منافِي!

أنت الملك الديـّان..
نَجِّنا؛ قبل أن نَـرى العيون كُلّها بَـاكية!

واحسرتاه..
إذا سألَ الدَيـّان يوم الدين؛ عَـن الوَهن في دُروب السَعي..
عَـن جراح الحسنات..
عـَن تَـذبـذُب النِيـّات..
عَـن خطـوةٍ واقفة؛ وكـان ينبغي أنْ تكون هِـجـرَة!

واحسرتَـاه..
إذا سأل الديـَّان، وصارتْ الآخرة سُجوناً؛ فلا نملكُ يومها أنْ نفـدي أغلالنَـا..
ذاهليـن؛ إذ أرخـى الديـَّان ستُورنـا!

يَمـّمَ الشيـخُ بصوته شَطـْر الآخـرة؛ فكأنَّنـا نَرى أحوالَنا..
أطْـرقَ الشيخ هيبةً وهو يقول:

ومَـن يُجيبُ..
إذا سـأل الديـَّان عن أرضِ الشَامِ كيفَ تَولّى رَبيعها؟
وعَـمَّـن كتبَ المَـوت لأحلامِ الأسـرى في سجون الاحتلال؟
وعَـن طَعـم الصَّمت في أفـواه المُعتَقلين ظُلمـاً!

مَـن يُجيبُ الديَـّان..
إذا سَـأل عـن أطفـال اليَمن؛ صاروا في ضَمير الغَيب..
ومـا غَـدا لهم أمَـلاً!

وإذا سَـأل عَـن العـِراق؛ يَغصُّ بالمَـوت..
(والمَوت فيه أسهَل مَا يُنـال)!

وعَـمَّـن خَـذلوا الأقصـَى..
واشتَـروا صَـوت الرِّجـال!

عَـمَّـن شيـَّعوا الأُمَّـة في أكفانها، وجعلـوا الأوطَـان لها قَـبراً!

ذاكَ يَـومٌ..
يُعيد الديـَّان فيه ما شَـاخ مـِن الدُهـور؛ كأنّهـا ثَـوانٍ..
فتَـرى البشريـة تُلملم مَـا فَرط منها؛ ومَـا ثَقُلـت به سُـطور الصَحـائف!

وتَـرى الحُقـوق؛ وقـد اكتمَلتْ حطَبـاً تَنتظـر وَقُـودهـا!

فإذا تنفَّس الجَـحيم، ويـَبِس الناس من الهلَـع، وصَـار زفيرُ النـار ألمًا على أَلم ، وتأجـّج الخَـوف في الأكبـاد، وغلي الحَشـرُ بِصُـراخِ النَـاس إذا عايَنوا مَقاعـد آثامهـم فـي النَـار، وتَغامَـس النَـاس فـي جَـحيم ذُنوبهـم!

ذاكَ يَـومٌ؛ للمَلـِك الديـَّان وحـدَه..
والمَوعد؛ مَـع المَلـِك الديـَّان..
فإذا سمعتَ صوت الهـواء حولك يتـَأوّه.. ورأيتَ الناسَ تغرق في لُجـّة الـذنُوب من شدّة الَعـرق..
وَوُضعت المَوازين القِسط ليوم القيامة؛ حتى يُـوزَن إيمـان الكلمة، ويُـوزن صوابها وخَطؤهـا، ويُوزَن خـيلاء مـا فيها!

ذاكَ زمَـنٌ..
يَصـِحّ أنْ يُقـال فيه: (مَحكمةُ السّيئة والحسَنة)!

تَـرى القيامة مَـأهولة بروائح الـحَسنات أو السيئات..
وما الدَار الآخـرة حينها؛ إلا صُـورة الحَقيقة!

كـادتْ دُمـوع التـلاميذ تفـِرُّ مـن ذُعرهـا..
وتحجـّرت المآقي؛ فلا تسمعُ إلا زفَـرات القُلـوب تجيـش!

فقَـال تلميذ:
يَـا سيـّدي..
كأنّي هناك ألـوح عاريـاً!

فتنهـّد الشيخُ؛ وقَـال:
يـا بُنيّ..
فتفقـَدْ صحيفتك، ولا تلقَ الله بآثامٍ مركبة؛ فلا تخلـص مِـن حسـاب إلا لتلج في حسـاب آخَر.. حتى كأن يوم الحسـاب نصبٌ لكَ دونُ سـِواك!

هو الديَـّان..
فلا يمتَـدّ بك ظلامُ المَخبوء مـِن الذنُـوب؛ حتى يفجَـأك نهـار الحـِساب!

هو الديَـّان..
لا يُغـادر صغيرةً ولا كبيرة، والعذابُ يتعَـدّد علـى تعَـدُد الآثـام..
فليته كَـان مَوتاً واحداً..
بَـل هو مَـوتٌ كثيـر؛ بعـَدد معاني الذنُـوب..
فتَـنبَّه!

يَـا ولَـدي..
بعضُ الناس يوم الدين؛ صارت النِّعم لهم مَهالك.. حتى كأنّها تتساقط لهم ذنوبـاً في صحائفهم، وتبعثُ لهم يوم القيامـة عذابَـاً!

كُل نعمةٍ لا تبلِّغكَ الله؛ نَقمَة ..
وكُل ذنبٍ يُزرَع في القـلب؛ يحتاج سقيـا..
الذنُوب تَطلُب ماءها، وتَستدعي أخواتهَـا؛ حتى تتداعى الذنُـوب علينا.. فإذا بها يوم القيامة؛ إصْرنـَا والأغـلال..
وليس لنا إلا عَـفوُ الله!

قال تلميذٌ من أقصَى المَجلس:
دُلّنا على سبَيـل النَّجـاة!

قال الشيخ:
النَـفْس إنْ لم تجتهـد في الحسنَـات؛ أهلكَتها الحسَرَات..
والدَفـع يـا ولـدي؛ أسهَـل مـِن الرَفـع..
وكُـل هَدمٍ إنّمـا يَبدأ؛ بِثُقـب!

احـذَروا الَمعاصـي..
فإنّها تَحـرِمُ المَغفـرة في مواسـم الرحمـَة!

وإيـّاكم والتَذبذب فـي الهِجرة إلى الله..
فإنَّ المُتَذبذب أخو المنقطع..
كلاهما لا يَصـِل!

والمُتّصـِل..
مَـن أدرك أنّ الغياب عن الله طـرفة عين؛ خسارةٌ وانقِطاع..
ورابطَ على فَرضَـي الباطـن والظاهـِر مادامت أنفاسُ الحَياة!

إنَ فَـرْضَ الظاهـِر؛ مُحافظةُ الحُـدود..
وفَـرض الباطِن؛ صلاحُ النِيّات..
والديـَّان سائلـُكَ عن الباطـن والظاهـر؛ سَـواء بِسـَواء!

واحذَر النوايـا الفاسدة..
فإنّ النَوايـا العجفَـاء؛ لا تَلـدُ الخَصـْب!

وليحافـِظ قلبك على الوضوء..
فإنَّ الوضـوء لا يحافظُ عليه إلا مُـؤمـِن!

ويَـوم القيامة..
تجـِد السرور؛ في طهـَارة الصُحُـف، وخِفـّة الرَقبَـة مـِن حُقوق العبـاد!

فَقُـل:
الَّلهُـمَّ هَبْنـا صحائـفَ بيضـاء؛ على أرضٍ عَفْـراء!

Comments

Be the first to add a comment