أنت الملك الديـّان.. نَجِّنا؛ قبل أن نَـرى العيون كُلّها بَـاكية!
واحسرتاه.. إذا سألَ الدَيـّان يوم الدين؛ عَـن الوَهن في دُروب السَعي.. عَـن جراح الحسنات.. عـَن تَـذبـذُب النِيـّات.. عَـن خطـوةٍ واقفة؛ وكـان ينبغي أنْ تكون هِـجـرَة!
واحسرتَـاه.. إذا سأل الديـَّان، وصارتْ الآخرة سُجوناً؛ فلا نملكُ يومها أنْ نفـدي أغلالنَـا.. ذاهليـن؛ إذ أرخـى الديـَّان ستُورنـا!
يَمـّمَ الشيـخُ بصوته شَطـْر الآخـرة؛ فكأنَّنـا نَرى أحوالَنا.. أطْـرقَ الشيخ هيبةً وهو يقول:
ومَـن يُجيبُ.. إذا سـأل الديـَّان عن أرضِ الشَامِ كيفَ تَولّى رَبيعها؟ وعَـمَّـن كتبَ المَـوت لأحلامِ الأسـرى في سجون الاحتلال؟ وعَـن طَعـم الصَّمت في أفـواه المُعتَقلين ظُلمـاً!
مَـن يُجيبُ الديَـّان.. إذا سَـأل عـن أطفـال اليَمن؛ صاروا في ضَمير الغَيب.. ومـا غَـدا لهم أمَـلاً!
وإذا سَـأل عَـن العـِراق؛ يَغصُّ بالمَـوت.. (والمَوت فيه أسهَل مَا يُنـال)!
تَـرى القيامة مَـأهولة بروائح الـحَسنات أو السيئات.. وما الدَار الآخـرة حينها؛ إلا صُـورة الحَقيقة!
كـادتْ دُمـوع التـلاميذ تفـِرُّ مـن ذُعرهـا.. وتحجـّرت المآقي؛ فلا تسمعُ إلا زفَـرات القُلـوب تجيـش!
فقَـال تلميذ: يَـا سيـّدي.. كأنّي هناك ألـوح عاريـاً!
فتنهـّد الشيخُ؛ وقَـال: يـا بُنيّ.. فتفقـَدْ صحيفتك، ولا تلقَ الله بآثامٍ مركبة؛ فلا تخلـص مِـن حسـاب إلا لتلج في حسـاب آخَر.. حتى كأن يوم الحسـاب نصبٌ لكَ دونُ سـِواك!
هو الديَـّان.. فلا يمتَـدّ بك ظلامُ المَخبوء مـِن الذنُـوب؛ حتى يفجَـأك نهـار الحـِساب!
هو الديَـّان.. لا يُغـادر صغيرةً ولا كبيرة، والعذابُ يتعَـدّد علـى تعَـدُد الآثـام.. فليته كَـان مَوتاً واحداً.. بَـل هو مَـوتٌ كثيـر؛ بعـَدد معاني الذنُـوب.. فتَـنبَّه!
يَـا ولَـدي.. بعضُ الناس يوم الدين؛ صارت النِّعم لهم مَهالك.. حتى كأنّها تتساقط لهم ذنوبـاً في صحائفهم، وتبعثُ لهم يوم القيامـة عذابَـاً!
كُل نعمةٍ لا تبلِّغكَ الله؛ نَقمَة .. وكُل ذنبٍ يُزرَع في القـلب؛ يحتاج سقيـا.. الذنُوب تَطلُب ماءها، وتَستدعي أخواتهَـا؛ حتى تتداعى الذنُـوب علينا.. فإذا بها يوم القيامة؛ إصْرنـَا والأغـلال.. وليس لنا إلا عَـفوُ الله!
قال تلميذٌ من أقصَى المَجلس: دُلّنا على سبَيـل النَّجـاة!
قال الشيخ: النَـفْس إنْ لم تجتهـد في الحسنَـات؛ أهلكَتها الحسَرَات.. والدَفـع يـا ولـدي؛ أسهَـل مـِن الرَفـع.. وكُـل هَدمٍ إنّمـا يَبدأ؛ بِثُقـب!
احـذَروا الَمعاصـي.. فإنّها تَحـرِمُ المَغفـرة في مواسـم الرحمـَة!
وإيـّاكم والتَذبذب فـي الهِجرة إلى الله.. فإنَّ المُتَذبذب أخو المنقطع.. كلاهما لا يَصـِل!
والمُتّصـِل.. مَـن أدرك أنّ الغياب عن الله طـرفة عين؛ خسارةٌ وانقِطاع.. ورابطَ على فَرضَـي الباطـن والظاهـِر مادامت أنفاسُ الحَياة!