هنالك الكثير من اللغط حول تفاصيل الاتفاقيات الأمنية بين العراق وتركيا، ولكوننا باحثين عن الحقيقة نذكر لكم تفاصيلها من سنة 1982 وإلى الان معتمدين على مصادر مختلفة، علما ان المنشور مطول ويحتوي على معلومات مستفيضة عن الاتفاقيات الأمنية المبرمة مع الجانب التركي.
بعد القصف التركي الذي استهدف مصيف قرية (برخ) في محافظة دهوك شمال العراق يوم الأربعاء، 20 تموز 2022، والذي أدى إلى استشهاد 9 مواطنين وجرح عدد آخرين تم تداول أخبار عن وجود اتفاقية تسمح لتركيا بتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية وعليه لا بد من معرفة حقيقة هذه الاتفاقية.
بالعودة الى الوراء وتحديدا لعام 1982، عقد (حزب العمال الكردستاني) الذي تصنفه الحكومة التركية إرهابيًا، مؤتمرًا في لبنان وقرر خلاله التمركز في شمال العراق، مستغلًا الفراغ والضعف اللذين كانت تعاني منهما البلاد آنذاك بسبب الحرب مع إيران، وبدأ التموضع في معسكر (لولان) على الحدود العراقية التركية الإيرانية.
هذه التطورات أثارت قلق تركيا، ودفعتها إلى توقيع اتفاقية مع الرئيس العراقي آنذاك (صدّام حسين) عام 1983، بهدف تحقيق الأمن على الحدود بين البلدين، وهي الاتفاقية التي سمحت لها بالدخول (10 كم) ضمن الأراضي العراقية. وفي اذار 1983، فعلت اتفاقية التعاون الأمني بين العراق وتركيا وسمح للقوات التركية بالتوغل داخل الأراضي العراقية مسافة (30كم)، بهدف مهاجمة مواقع سيطرة حزب العمال الكردستاني، وبعد يومين من بدء العملية قامت الطائرات التركية بقصف بعض مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني في منطقة (باهدينان) الواقعة قرب الحدود التركية الإيرانية. في أيار عام 1983، أطلقت تركيا عملية عسكرية خارج حدودها بالإتفاق مع الحكومة العراقية وشارك فيها آلاف الجنود الأتراك.
وعلى إثر مفاوضات جرت بين الحكومة العراقية والإتحاد الوطني الكردستاني، اعترضت تركيا على ذلك واستخدمت النفط كورقة ضغط على العراق في حال الاتفاق بين الطرفين، فالعراق يدرك أن غلق أنبوب النفط المار عبر الأراضي التركية سوف يخنق الاقتصاد العراقي، كونه المنفذ الوحيد لتصدير النفط العراقي أثناء الحرب مع إيران، وعليه قام وزير خارجية تركيا (فاهت هاليو غلو) بزيارة العراق في تشرين الأول 1984، مهددا بإغلاق الحدود بوجه الواردات العراقية، وأكد على إتفاقية التعاون المشترك بين العراق وتركيا، وفي مجال التنسيق مع تركيا قام وزير الخارجية العراقي بزيارة لأنقرة لغرض توقيع إتفاقية التعاون الأمني مع تركيا والتي أصبحت سارية المفعول في 15 تشرين الأول 1984، والتي عرفت بإتفاقية (المطاردة الحثيثة) لغرض مكافحة الإرهاب في منطقة الحدود المشتركة، والتي نصت على السماح لكل من تركيا والعراق القيام بعمليات متابعة للعناصر التخريبية داخل أراضي الطرف الأخر في حالة الضرورة القصوى ولمسافة خمسة كيلو متر ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام. كما أطلقت حملة في آب 1986، لم تنجح في القضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبعد فترة هدوء، أطلقت تركيا حملة عسكرية في عام 1991 تحت اسم (العصا) وهو العام الذي شهد زيادة في المقار والمراكز العسكرية التركية في عموم محافظات كردستان. في عام 1995، أبرم صدام حسين اتفاقية تسمح للقوات التركية بأن تتواجد في مناطق شمال العراق لمطاردة حزب العمال الكردستاني. وحول عدم تطرق الحكومات المتعاقبة بعد 2003 لهذا الاتفاق واعتباره لاغي تلقائيا قال الدكتور (عبد الستار الجميلي) أمين عام حزب الطليعي الناصري واستاذ القانون الدولي العام، بحسب مقال نشرته وكالة (سبوتنك) عام 2020، ان "هذا الاتفاق ملغى تلقائيا، لأنه وفقا للقانون الدولي تقسم الاتفاقيات إلى اتفاقيات دولة وهذه تبقى سارية، واتفاقيات الأنظمة وهذه تسقط بسقوط الأنظمة، واتفاق النظام السابق مع النظام التركي كان اتفاق نظام". مضيفاً "إن الحديث عن اتفاق مع النظام السابق”صدام حسين” ليس له أي قيمة في ضوء قواعد القانون الدولي، حيث تسقط إتفاقيات الأنظمة الخاصة مع سقوط هذه الأنظمة، وهذا الاتفاق سقط مع سقوط النظام السابق، وليس للنظام التركي أن يحتج به، ولا تحتاج الحكومة العراقية إلى إسقاطه لأنه سقط مع النظام السابق، فضلا عن أنه لم يسجل في الأمم المتحدة". وتابع الجميلي "وفقا لميثاق المنظمة الدولية، فإنه لايمكن الاحتجاج بأي اتفاق لم يسجل في المنظمة الدولية وأمام أجهزتها والعالم".
من جانبه اعتبر الخبير القانوني الراحل (طارق حرب) في تصريح له، أن اتفاق صدام وتركيا بشأن دخول القوات التركية قد انتهى منذ نهاية الحرب العراقية الايرانية سنة 1988، مشيراً الى "إن مثل هذا الاتفاق قد انتهى منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 ولم يتول صدام تجديده لأنه كان ضمن تأييد تركيا للعراق في حرب صدام مع ايران".