وَقَـــدْ هَــتَــــكَ اللَّٰهُ أسْـــــتَـارَ هَــــؤُلَاءِ الـمُـــنَــافِــقِـيـن ، وَكَـشَـفَ أسْـرَارَهُـم في الـقـرآن الـكـريم ، وَجَلىٰ لِـعِــبَـادِهِ أمـورهم ؛ ليكونوا منها ومن أهْـلِـهَـا علىٰ حَـذَرٍ .
وَذَكَـرَ طَـوَائف الـعَـالَـم الثَّلاث في أوَّلِ الـبَـقَـرَةِ : المُؤْمِنِينَ ، والكُـفَّـار ، والمُنَافِقِينَ ، فَـذَكَـرَ في المؤمنين أربع آيَاتٍ ، وفي الكُـفَّـار آيَتَيْنِ ، وفي المنافقين ثلاث عـشرة آية ؛ لـكـثـرتهم ، وعُـمُـومِ الابْتِلَاءِ بهم ، وشِـدَّةِ فِتْـنَـتِـهِم علىٰ الإسْلَامِ وأهله ، فإن بَـلِـيَّة الإسلام بهم شَـدِيدة جِـدًّا ؛ لأنَّـهُـم منسوبون إليه ، وإلىٰ نُصْـرَتِهِ ومُوَالَاتِهِ ، وهُـم أعْـدَاؤُهُ في الحَـقِـيقَـةِ ؛ يُـخْـرِجُـونَ عَـدَاوَتَهُ في كُـلِّ قَـالب يَـظُـنُّ الجَـاهِـلُ أنَّهُ عِـلْـمٌ وإصْـلَاح ، وهو غَـاية الجَـهْـلِ والإفْـسَـادِ . [ من رسالة لابن القَّيِّم في بَيَانِ صِفَاتِ المنافقين ] .
*الـــنَّـــوعُ الــثَّـــانِــي :* *النِّــفَـاقُ الـــعَـــمَــلِـي :* وَهُـوَ عَـمَـل شيء من أعمال المنافقين ؛ مَـعَ بقاء الإيمان في القلب ، وهذا لا يُخْرِجُ من المِلَّةِ ، لـكـنَّـهُ وَسِيلَة إلى ذلك ، وصَاحِبُهُ يَكُونُ فيه إيمان ونِفَاق ، وإذا كَـثُـرَ صَـارَ بِسَبَبِهِ مُنَافِقًا خَالصًا ، والـدَّلِـيلُ عليه قوله ﷺ : *« أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ،* *وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ ،* *كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا :* *إِذَا اؤْتُــمِــنَ خَــــانَ ،* *وَإِذَا حَـــدَّثَ كَـــذَبَ ،* *وَإِذَا عَــاهَـــدَ غَـــدَرَ ،* *وَإِذَا خَــاصَـمَ فَـجَـرَ »* [ مُـتَّـفَـقٌ عَـلَـيْـهِ ] .
فَـمَـن اجتَمَعَتْ فيه هَـذِهِ الـخِـصَـال الأرْبَـع ، فقد اجتمع فيه الـشَّـر ، وخلصت فيه نُعُوتُ المنافقين ، ومَن كانت فيه واحدة منها ، صار فيه خصلة من النفاق ، فإنه قد يجتمع في العبد خصال خير ، وخصال شر ، وخصال إيمان ، وخصال كفر ونفاق ، ويستحق من الثواب والعقاب ، بحسب ما قام به من موجبات ذلك .
*وَمِنْهُ : الـتَّـكَـاسُل عَـنِ الـصَّـلَاةِ* *مَـعَ الـجَـمَاعَـة في الـمَـسْجَـدِ ؛* فإنَّهُ من صِفَات المنافقين ، فالنِّفَاقُ شَـرٌّ ، وخَـطِـيرٌ جِـدًّا ، وكانَ الصَّحَـابَةُ يَتَخَـوَّفُونَ من الوُقُوعِ فيه ، قال ابْنُ أبي مُلَيْكَـةَ : *( أدْرَكْتُ ثَـلَاثِينَ مِـنْ أَصْـحَـابِ رَسُولِ اللَّٰهِ ﷺ ، كُـلُّـهُـم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَىٰ نَـفْـسِـهِ ) .*