الذي استقرت عليه طريقة علماء الإسلام في التعامل مع الوقائع التاريخية التي حصل فيها نزاع بين الائمة، أو طعن بعضهم في بعض .. هو مسلك رشيد متزن، يقوم على ميزان العدل والعلم، وحفظ الحقوق مع صيانة الأحكام، وطهارة القلب على جميع من سبقونا بالعلم والإيمان.
وهي طريقة مطردة في كل الأحداث التي جرت بين أفاضل هذه الامة، بدءاً مما شجر بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرى بعدهم،
ومنه: الموقف من الطعون التي قيلت في آحاد العلماء، كالذي قيل في حق الإمام أبي حنيفة من جملة من سادة أئمة السلف رحمهم الله، ورضي عنهم أجمعين.
وهذه الطريقة قائمة على وعي بأن هذه وقائع تاريخية، تتعلق بأشخاص معينين، وقد لقوا الله، وتلقاهم الناس بقبول حسن، وأحسنوا الظن بهم، وشاع ذكرهم الحسن بينهم، وهم أئمة في الدين يقتدي الناس بهم، وينتفعون بأثرهم الحسن.
فالطعن في أشخاصهم، أو الانتقاص منهم، لا يدفعه حاجة شرعية معتبرة، وليس له ثمرة عملية نافعة، ولا يفيد الناس شيئاً في دينهم ولا دنياهم ..
هذا إن سلم الناقد من تجاوز الحد، والوقوع في البغي والظلم والاستطالة بغير حق. .
ولهذا .. يشدد العلماء في الأحكام التي يبنى عليها علم أو عمل، ويردون غلط من أخطأ فيها، ويحذرون من اتباع زلات العلماء في ذلك، لأن هذا له أثر عملي، فلا يراعون حرمة العلماء ومكانتهم بما يضر أصل الأحكام ..
وأما ما لا يضر بذات الأحكام، وإنما يتعلق بأشخاصِ أعلامٍ أفاضل لقوا ربهم، فالخوض فيهم سبب للوقوع في البغي والجور، ولو سلم من ذلك فأحسن أحواله أن يكون من قبيل المراء الفارغ الذي لا ثمرة حقيقية منه، ولن يسلم من إثارة الخصومة بين المسلمين.
فهذا الموقف الرشيد من أعلام الاسلام لم يكن دافعه الجهل بما حدث، ولم يكن خافياً عليهم تلك الوقائع، إنما توصلوا لهذا الموقف بعد معرفة كافية:
-فحصت المرويات، فميزت الصحيح من السقيم.
-وميزت ما صح إلى قائله، ولم يصح إلى من طعن فيه.
-وما صح منه، واحتفت به أمور اخرى كتوبته ورجوعه عنه.
-وما كان من قبيل الغلط من القائل، فيتأول له ويحمل على محمل حسن.
-وجمعت لذلك بقية المواقف والاقوال المخالفة لها.
-وأما ما صح من غلطٍ في أصول الدين أو فروعه فبينوه، ولم يستهينوا بالحكم مراعاة لقدر الرجال، ولم يسقطوا أفاضل الرجال لأغلاطٍ وقعوا فيها.
يستحضرون في هذا الميزان الشرعي العادل:
أن من اجتهد واتقى الله قدر طاقته في البحث عن الحق فاخطأ أنه معفو عنه ( ولا يكلف الله نفساً الا وسعها).
والظن بأمثال هؤلاء الائمة ممن عرف دينهم وفضلهم وتجردهم للحق، أنهم ما تركوا اتباع الحق إلا لسببٍ هم معذورون فيه، فلا يلحقهم في ذلك إثم، فضلاً عن التفسيق أو التكفير.
وهو ميزان عظيم أطال شيخ الإسلام ابن تيمية النفس فيه كثيراً، وأزال الشبهات عنه، في مواضع عدة من كتبه.
بل ذكر -رحمه الله- أن هذا كان في زمانه مما يصد الناس عن الحق، فيرون أن القول بتغليط أعلام الاسلام الكبار سبب للحكم عليهم بالوعيد، فبين لهم هذه القاعدة الشرعية العظيمة في العفو والتجاوز عمن غلط في تأوله من ائمة الإسلام.
وهو منهج عظيم يجمع بين تعظيم الأصول والنصوص الشرعية، والإعذار للمتأولين، فيجمع بين تمسكٍ بالشرع، وطهارة قلب على المخطئين المتأولين من أعلام الإسلام.
ولهذا كان أسعد الناس بهذه القضايا التاريخية هم أعداء الاسلام وخصوم السنة، يوظفون هذه الوقائع للطعن في الائمة، ويستغلون حب الناس لعالمٍ معين في تمرير الاستطالة على من طعن فيه من الائمة ..
ومن القصور لدى بعض التمسكين بآثار السلف أنهم -بلا قصد- قد يعينون أمثال هؤلاء على مقصدهم هذا باذاعتهم لهذه المواقف، وتعاملهم الظاهري القاصر معها.
فهذه الطريقة في إثارة هذه القضية والطعن في الائمة وأعلام الأمة، فيها ثلاثة مفاسد ظاهرة:
١-الطعن في أفاضل أعلام لقوا الله بلا موجب ولا ثمرة.
٢-إثارة الخلاف والشقاق بين المسلمين الذين يحسنون الظن في هذا العالم، ويقتدون به في فروع دينهم، فتثير الشحناء والبغضاء بلا موجب شرعي لذلك، من بيان لحق او رد لباطل.
٣-أنه يفتح الباب لتطاول خصوم الاسلام والسنة على ائمة الاسلام.
بل حتى ولو سلم الناقد من هذه المفاسد جميعاً، فمن سلم لسانه من الخوض في أعراض أفاضل هذه الامة، وأحسن الظن بهم وتأول الخير لهم، هو أحسن حالاً منه.
وهذا يكشف لك شرف موقف العلماء في الوعي بمثل هذه القضايا، ووضعها في ميزانها الطبيعي، وحسن الظن والتأول للجميع، بما يجمع النفوس، ويحفظ الحقوق، ولا يضر بمكانة الاحكام والأصول الشرعية.
(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) د. فهد العجلان