*كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ!*

بَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَرْدَ قِصَّةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي اجْتَمَعْنَ وَتَحَدَّثْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا بِإِنْصَاتٍ، عَلَّقَ عَلَى حَدِيثِهَا الطَّوِيلِ بِكَلِمَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ مُعَبِّرَةٍ عَنْ جَمِيلِ عِشْرَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مَعَهَا فَقَالَ:
((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ)).
وفِي رِوَايَةٍ: ((يَا عَائِشَةُ، كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ، إِلا أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ، وَأَنَا لا أُطَلِّقُ)).

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وقولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»: تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا، وَمُبَالَغَةً فِي حُسْنِ مُعَاشَرَتِهَا؛ لِمَا ذَكَرَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ حُسْنِ صُحْبَتِهِ لَهَا، وَشَكَرَتْهُ مِنْ جِمَاعِ حَالِهِ مَعَهَا، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الأَمْرَ المَكْرُوهَ مِنْهُ، بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ طَلَّقَهَا وَإِنِّي لَا أُطَلِّقُكِ»؛ تَتْمِيمًا لِتَطْيِيبِ نَفْسِهَا، وَإِكْمَالًا لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهَا، وَرَفْعًا لِلإِيهَامِ لِعُمُومِ التَّشْبِيهِ بِجُمْلَةِ أَحْوَالِ أَبِي زَرْعٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُذَمُّ سِوَى طَلَاقِهِ لَهَا)). (بغية الرائد ص299)

نَعَمْ، لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّمُوذَجَ الَّذِي يُحْتَذَى بِهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَةِ، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ هَذَا النَّمُوذَجِ إِلَّا بِقِرَاءَةِ سِيرَتِهِ مَعَ زَوْجَاتِهِ، وَتَضِيقُ هَذِهِ الوُرَيْقَاتُ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ السِّيرَةِ العَطِرَةِ، وَلَكِنْ سَأَضْرِبُ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ مِنْ جَمِيلِ حَيَاتِهِ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُلَاعِبُهَا وَهُمَا يَغْتَسِلَانِ مِنَ الجَنَابَةِ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ: "دَعِي لِي "، وَأَقُولُ أَنَا: دَعْ لِي. (رواه البخاري)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. (رواه مسلم)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُهَا وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ:
عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: مَنْ هِيَ إِلاَّ أَنْتِ، فَضَحِكَتْ. (رواه أبو داود)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِنْ مَوْضِعِ أَكْلِهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَوْضِعِ شُرْبِهَا:
عَنْ شُرَيْحٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَأَلْتُهَا هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَهِيَ طَامِثٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونِي فَآكُلُ مَعَهُ وَأَنَا عَارِكٌ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ، فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْعَرْقِ، وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، فَآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْقَدَحِ. (رواه مسلم)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُمْسِكُ بِيَدِهَا وَهُوَ يَسِيرُ بَيْنَ النَّاسِ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ فَقَالَ: ((صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قَطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْتِ)). (رواه أبو داود)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُعِينُهَا عَلَى أَعْمَالِ البَيْتِ:
عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. (رواه البخاري)

كَانَ صلى الله عليه وسلم يُرَاعِي مَشَاعِرَهَا وَحَالَتَهَا النَّفْسِيَّةَ:

Comments

Be the first to add a comment